اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي الدور الإيجابي لإيران في لبنان بين الدعم السيادي والإنساني

مقالات

أميركا - فنزويلا: عودة إلى الحقبة الاستعمارية المباشرة وانهيار للنظام الدولي
مقالات

أميركا - فنزويلا: عودة إلى الحقبة الاستعمارية المباشرة وانهيار للنظام الدولي

542

كاتب من لبنان

العدوان الأميركي على فنزويلا له ما قبله وله ما بعده. 

ما قبل: 

حاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة النيل من فنزويلا وتنصيب حاكم تابع عليها، أبرزهم خوان غوايدو (2019)، ودعمت محاولات انقلاب من داخل الجيش الفنزويلي، وحاولت رشوة قائد طائرة الرئيس مادورو لتسليمه إلى الأميركيين. والأهم من ذلك كله، فرضت حصارًا قاسيًا على الشعب الفنزويلي في محاولة للدفع باتّجاه تغيير نظامه عن طريق إثارة الاستياء الداخلي. 

ليست المرة الأولى التي تختطف فيها القوات الأميركية رئيسًا في أميركا اللاتينية. فقد أقدمت عام 1989 على غزو بنما وأسر الرئيس مانويل نورييغا بالذريعة نفسها: الإتجار بالمخدرات، وهي تهمة يتم إلصاقها تقليديًا بالعديد من الدول أو المنظمات المناهضة للسياسات الأميركية، مع العلم أن نورييغا كان على صلة بالمخابرات الأميركية لفترة ليست بسيطة قبل وصوله إلى السلطة. كما أخرجت رئيس هايتي جان برتران أريستيد من بلاده بالقوّة بواسطة طائرة أميركية عام 2004، مدّعية أنه قدّم استقالته، فيما قال أريستيد إنه تعرض للاختطاف.

ما بعد: 

يمثل العدوان على فنزويلا توسعًا في نهج شريعة الغاب الذي تتبعه الحكومة الأميركية. لم يعد هناك قانون دولي، ولا دور للأمم المتحدة التي أصبحت جثة بلا حراك، ولا اعتبار للرأي العام الدولي الذي يموج ضدّ سياسات الولايات المتحدة المفرطة في استخدام العقوبات والحصار الاقتصادي وتأييدها المطلق للكيان الصهيوني. النظام الدولي الذي أرساه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية صار من الماضي، وأصبحنا في مرحلة اللانظام حيث يحلو لكل دولة كبرى ممارسة الاستضعاف بحق أي دولة ترى فرصة للتأثير والسيطرة عليها. روسيا غزت أوكرانيا بحجة توجهها نحو "الناتو"، أميركا تغزو فنزويلا كما فعلت مع أفغانستان والعراق ودول عدة أخرى من قبل، والصين تتجهز لغزو تايوان. على الرغم من أن لكل دولة حيثية مختلفة ووجود فوارق نوعية بين الولايات المتحدة والدول الكبرى الأخرى، لكن الواضح أنه لم يعد هناك نظام دولي، كلّ دولة كبرى تحتكم إلى قوتها وقدرتها على حسم النزاع بأقل ضرر مباشر عليها. 

إنجاز أم سقوط؟ 

مع ذلك، لا بد من الإشارة إلى نقاط هامة في ما يتعلق بالعدوان على فنزويلا: 

أولًا: إن اغتيال زعيم أو أسره لن يؤدي بالضرورة إلى فرش السجاد الأحمر للغزاة، ونشهد أن القيادة السياسية في فنزويلا لا تزال قائمة بمسؤولياتها وتؤكد أنها لن تنصاع للبلطجة الأميركية. وهذا أمر يعكس وجود وعي بالذات الوطنية التي لا تتلاشى أمام هجوم خارجي. كما لاحظنا تضامن دول عدة في القارة الأميركية مع فنزويلا من بينها البرازيل والمكسيك وكوبا. 

ثانيًا: اختارت واشنطن هدفًا سهلًا من الناحية العسكرية لتظهير قدراتها وعلوّ كعبها في مواجهة خصومها على الساحة الدولية. وقد يكون هذا الاختيار مقصودًا لتوجيه رسائل في اتّجاهات عدة: الصين وروسيا وإيران التي تنسج جميعها علاقات طيبة اقتصاديًا وسياسيًا مع فنزويلا. والتطور العدواني المستجد ستكون له ارتداداته في ساحات أخرى، ربما على شكل تسعير للصراع على الموارد الاقتصادية.  

ثالثًا: كشف مسؤولون أميركيون بكلّ صفاقة عن أطماع صريحة بثروات فنزويلا (النفط، الذهب، النحاس، الليثيوم) والسعي لإسناد استثمارها لشركات أميركية، ما يشير إلى تعطش لنهب الدول الأخرى لإرواء ظمأ الاقتصاد الأميركي المتعثر والمثقل بالديون. وبالتالي، تتخلى أميركا طوعًا عن أطروحتها المزيّفة في نشر الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان، وهذا سيزيد من كراهية الشعوب للسياسة الأميركية ويمثل سقوطًا أخلاقيًا وسياسيًا صريحًا أكثر مما يمثل إنجازًا عسكريًا. 

رابعًا: إن تفشّي نهج العسكرتاريا الأميركية تحت عناية إدارة ترامب، بعد تحويل اسم "وزارة الدفاع" إلى "وزارة الحرب" ورفع موازنتها إلى أكثر من 900 مليار دولار سنويًا، يمثل الوجه الآخر لأزمات أميركا الاقتصادية والهوياتية. ويجيد ترامب الهروب إلى الأمام واللجوء إلى تحركات تستقطب الأضواء التلفزيونية، وذلك في أعقاب تراجع رصيده الشعبي وانقسام تيار "ماغا" الداعم له بفعل إخلال ترامب بوعوده الانتخابية ولا سيما في قضية كشف الحقائق المرتبطة بجيفري إبستين مدير شبكة الاستغلال الجنسي للفتيات والتي تورط فيها مسؤولون كبار أميركيون وأجانب، وكذلك يوجد اعتراض داخل هذا التيار على حدود دعم "إسرائيل"، حيث يتلخص النقاش حول المصلحة العليا للأميركيين: أميركا أولًا أم "إسرائيل" أولًا؟

إيران الهدف التالي؟ 

هناك تلميح إلى أن دولًا أخرى على لائحة الأهداف الأميركية التالية، إيران مثلًا. كانت الإدارة الأميركية قد حاولت، بالتنسيق الكامل مع الكيان الغاصب، إسقاط النظام في حزيران/ يونيو الماضي، لكن المحاولة لم تنجح وقاومت إيران العدوان وكان ردّها أقوى مما كان متوقعًا. ونشرت الصحافة الأميركية مؤخرًا أن ترامب ونتنياهو خطّطا للهجوم على إيران منذ شباط/ فبراير 2025، قبل العدوان بأربعة شهور تقريبًا، وكانت جولة المفاوضات الأميركية غير المباشرة مع إيران مجرد تمويه لتوفير عامل المفاجأة في ضربها. 

من دون شك، ستعزز السهولة التي تمت بها عملية اختطاف رئيس فنزويلا النوازع العدوانية لدى إدارة ترامب، وهو كان قد وجّه تهديدًا صريحًا بالتدخل في الأحداث التي تشهدها إيران حاليًا، وتبارى مسؤولون أميركيون و"إسرائيليون"، وحتّى جهاز "الموساد" بالذات، في تأكيد وجود تدخل أميركي - "إسرائيلي" في هذه الأحداث. كذلك، وجّه ترامب تهديدًا آخر لإيران بضربها مجددًا في حال طوّرت برامجها النووية أو الصاروخية. وهذه النبرة جاءت بُعيد لقائه رئيس وزراء العدوّ بنيامين نتنياهو الذي عرض عليه تقارير استخبارية حول تطوّر قدرات إيران الصاروخية، وهو تطوّر تعلن عنه إيران صراحة من أجل ردع الخارج وطمأنة الداخل. 

ويتضح أن هناك تلاقيًا أميركيًا - "إسرائيليًا" على هدف إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في إيران ودعم عودة ابن الشاه من أجل إعادة أمجاد النفوذ الأميركي و"الإسرائيلي" الذي كان قائمًا في إيران قبل الثورة الإسلامية وسيطرة الشركات الأميركية على موارد هذا البلد النفطية والغازية. ونحن أمام مرحلة دقيقة يصعب فيها الجزم بحصول عدوان جديد على إيران من عدمه في المدى القريب، ولو أن لهجة التصريحات تقول بذلك. 

وهناك عوامل قد تسهم في اتّخاذ القرار النهائي بهذا الصدد: 

الأول يتعلق بمدى توفر "داتا" كافية حول الأهداف في إيران بما يتيح للجانب المعتدي حسم المعركة بشكل سريع، وهذا ما لم يتحقق في العدوان الماضي بالرغم من توافر معلومات حول أماكن القادة السياسيين والعسكريين والعلماء النوويين والقواعد الصاروخية ومواقع الدفاع الجوي. ويعود السبب في هذا الإخفاق إلى دينامية القيادة في إيران التي استوعبت قساوة الضربة وتصرفت على وجه السرعة في الرد على العدوّ "الإسرائيلي" والأميركي، الأمر الذي دفعه لوقف الهجوم. 

والعامل الثاني يتعلق برصد درجة استعداد القيادة الإيرانية للمواجهة، وهذا الأمر حسمه المسؤولون الإيرانيون الذين ردّوا على جسّ النبض الذي مثلته تصريحات ترامب بتأكيد أن إيران ستوجه ضربات إلى القوات الأميركية في المنطقة في حال أقدمت واشنطن على التدخل المباشر في شؤونها الداخلية. 

أما العامل الثالث فهو يرتبط بالاهتمام الأميركي و"الإسرائيلي" برصد أية حالة تململ واسعة في إيران أو تقبّل لتدخل عسكري أميركي - "إسرائيلي"، وهذا الأمر غير متوفر حتّى الآن بالرغم من الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن الحصار الأميركي للجمهورية الإسلامية. نعم، هناك فئة ضئيلة من الإيرانيين المعادين للنظام الإسلامي مستعدة للانخراط في الجهد المعادي لإحداث انقلاب في البلاد وتتصور أن ذلك سيجلب لها تحررًا على النمط الغربي وتغيرًا في الأوضاع الاقتصادية. غير أن هؤلاء المتعجلين لإسقاط النظام يستخدمون الصراخ والعنف لجرّ الناس إلى مواجهته، ولجأت بعض المجموعات إلى قطع طرقات وأعمال شغب مستخدمة الأسلحة النارية لاستفزاز قوات الأمن، لكن لم تتطور الاحتجاجات المعيشية الأخيرة التي بدأها تجار بازار طهران إلى تحشّدات شعبية كبيرة كما تأمل القوى المناهضة لإيران، وذلك بفعل وعي شرائح عريضة من الشعب الإيراني وطريقة المعالجة السياسية والأمنية الحكومية التي تتسم بالتفهم والحرص على احتواء الموقف.

في المجمل، قد يكون توحّش الإدارة الأميركية بهذه الصورة التي رأيناها في فنزويلا آخر خرطوشة في يد النظام الإمبريالي الأميركي الذي بلغ ذروة صعوده بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ويتّجه الآن في مسار نزولي مع اتّجاه العالم نحو تعدد الأقطاب. وبعد عجز هذا النظام عن تجديد نفسه داخليًا وفقًا لأولويات مصالح شعبه، يلجأ إلى الغزو والاستعمار المباشر لصرف الأنظار عن مشاكله وتخبطاته، ما قد يؤمّن شحنة "إيجابية" مؤقتة بالاستناد إلى وهج البريق الذي يلمع من ثروات فنزويلا. لكن ذلك سيسهم في تعرية السياسات الأميركية من أية قيم أخلاقية أو حقوقية مُدّعاة بنتْ عليها واشنطن صورتها الخارجية، كما سيثير مخاوف دول عدة غنية بالنفط حليفة للولايات المتحدة في المنطقة العربية، وقد يؤدي النهج العدواني الأميركي إلى سقوط ما بقي من صورة النظام الدولي القائم بالضربة القاضية.

الكلمات المفتاحية
مشاركة