نقاط على الحروف
كاتب فلسطيني من غزة
حاصل على شهادتي بكالوريوس علوم قانونية وإدارية
ودورة في القانون الدولي
أصدرت حركة حماس كُتيبًا يتضمن رؤيتها الثانية للطوفان، بعد عامين من انطلاقه، تحت عنوان: "طوفان الأقصى.. عامان من الصمود وإرادة التحرير"، وبعد هذا الإصدار بعدة أيام، أطلّ أبو عبيدة الثاني، وريث أبو عبيدة الأول، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، الذي استشهد في غارةٍ "إسرائيلية" قبل عدة أشهر.
في الشكل لصدور كتيب الرؤية بالتتابع مع إطلالة المتحدث العسكري الجديد، نستطيع الجزم بأنّ هواجس العدوّ واستنتاجاته أصبحت واقعًا وحقيقة، حيث إنّه يتوجس من قدرة حماس على إعادة هيكلها السياسي والعسكري والتنظيمي والإداري، وأنّها تعمل على ذلك بوتيرةٍ متسارعة، وأنّ الوقت يسير في صالحها لا العكس.
وفي الشكل كذلك، فإنّ إطلالة أبو عبيدة الجديد، بذات الاسم وذات السمت وذات الزيّ، رسالةٌ فحواها أنّ اغتيال الشخص وتغييبه لا أثر له على الرمزية أولًا، وأنّ هذه مؤسسة تعمل لا مجرد أشخاصٍ يتناوبون ثانيًا، وأنّ هذه مؤسسة مقاوِمة وفكرة راسخة ونهج مستقر، وكان هذا الظهور بهذا المنطق، تفريغًا للاغتيال من جدواه، وعملية تصفيرٍ محسوبة، للمنجز الأمني عبر الاغتيال.
ولا زلنا في الشكل أيضًا، فإنّ صدور الرؤية في هذا الكتيب، وفيه تأكيد على تمجيد الطوفان، واعتباره مرحلة مفصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني ونضاله، هو رسالة بأنّ حركة حماس سياسيًا وعسكريًا، في حالة وحدة وترابط، وهو ما ينفي كلّ ما تمّ ويتمّ تسويقه عن تباينات في الجسم السياسي للحركة، وخلافات بين المكتب السياسي والجناح العسكري، حدّ أن ذهب البعض لبناء تصورات وسيناريوهات عن احتمالات وقوع انشقاقاتٍ في الحركة.
أمّا في المضمون، فقد وردت في كتيب الرؤية، في الفصل الثاني، تحت عنوان: "طوفان الأقصى.. يوم العبور المجيد" هذه الفقرة "لم تكن العملية مغامرة أو سلوكًا انفعاليًا، بل خطوة محسوبة تعبر عن إرادة الأمل وتصحيح المسار التاريخي، فقد خاضها أبناء فلسطين بوعيٍ وتخطيط وثقة بالله وعدالة قضيتهم، مؤمنين بأنّ التضحية طريق الخلاص وأنّ الدفاع عن القدس والأقصى، حقٌّ لا يُساوَم عليه، كانت لحظة تضحية كبرى، أراد فيها الفلسطينيون أن يقولوا للعالم لسنا ضحايا للأبد، بل شعبٌ يقاتل من أجل كرامته، ويرفض أن يكون شاهد زورٍ على ضياع وطنه".
هذه الفقرة تُعتبر اختزالًا لكل حركات المقاومة عبر التاريخ، وليس المقاومة الفلسطينية فحسب، وهي تجسيدٌ حيّ لمهام الشعوب التي تقع تحت الاحتلال وواجباتها، فلا أوطان بلا تضحيات، بل تضحياتٌ جِسام، ولا حقوق يمنحها الاحتلال، بل تُنتزع انتزاعًا بالدم أولًا، والنار ثانيًا ما استطعت لذلك سبيلا، وأنّ استمراء دور الضحية المتساكنة، لن يؤدي بك سوى للمزيد من الاضطهاد.
وأنّ العالم حين رأى ضحيةً تقاتل بلا استسلام، أدرك أنّ هناك شعبًا يستحق التضامن والمؤازرة، وانقلبت رؤيته من مساندة بشاعة الجلاد، إلى مناصرة من أثبت ببندقيته قبل دمه، أنّ قضيته محور الكون ومطبخ سياسات العواصم الكبرى.
كما أنّها تختزل الواقع المرّ، الذي تحياه قضية فلسطين من تخاذلٍ وتواطؤٍ عربيٍ مفزع، ويريدون من شعبها الاستكانة تحت شعارات الحكمة والواقعية، ويكون شاهد زورٍ على تصفيتها بالضربة القاضية، وأن يتعلم كيف يعيش في حالة جهوزية دائمة للتهجير، وكيف يتعايش مع صلف نتنياهو وعنجهية بن غفير، وأن يتعلم جيدًا أسرع الطرق لاستبدال الأوطان بكسرة الخبز.
أمّا في مضمون كلمة أبو عبيدة الناطق الرسمي باسم كتائب القسام، فقد كان لافتًا أنّه كان أشدّ تمسكًا بالسلاح من سابقه، وكان من اللافت سقوط قطر ومصر وتركيا من قائمة الشكر المعتادة، حيث اقتصر الأمر على شكر حزب الله وأنصار الله وإيران، كما شكر التحرك الأردني، قاصدًا العمليات الفدائية التي قام بها أردنيون عبر الحدود، وتوجه بالشكر لثلة السوريين الذين واجهوا القوّة "الإسرائيلية" في بيت جن، وقال: "الذين قاتلوا وحدهم" وهي كناية عن رفضٍ لموقف النظام الجديد.
وهذا يضيءُ على نهج الحركة مستقبلًا، بأنّها متمسكة بالمقاومة كنهجٍ أصيلٍ وثابت، وأنّها متمسكة أكثر بمحور المقاومة ونهجه، حتّى لو اضطرّت مستقبلًا للمجاملة لفظًا أو فعلًا، فقد وضع الناطق العسكري النقاط على الحروف، خصوصًا أنّها إطلالته الأولى، باعتبارها إطلالة تأسيسية وحاكمة.
إنّ هذا التزامن بين السياسي والعسكري، يمنح الشعب الفلسطيني حالة من الطمأنينة، بأنّ المقاومة كنهجٍ وفكرٍ هي الثابت الوحيد، وأنّ المقاومة تتعافى كلما مرَّ الوقت، وأنّ التضحيات العظيمة، لن تكون عابرة في واقعه ومستقبله وتاريخه، وأنّها تضحيات ستدفعه بمقاومته للتمسك بنهجها أكثر، والسير على درب ذات الشوكة بإصرارٍ أشدّ، وأنّ المُخَذِّلين سيزدادون إحباطًا، كلما رأوا انبعاثًا جديدًا، أو كلما لمسوا استعدادًا للتضحية متجددًا.