اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حاكم مصرف لبنان: اتخذنا إجراءات قانونيّة وقضائية ضد من أساء استعمال أموال المصرف

مقالات

لبنان كساحة اختبار: القرار
مقالات

لبنان كساحة اختبار: القرار "الإسرائيلي" بين التمكين السياسي ومخاطر التصعيد

366

تقدّر "إسرائيل" أن الحرب الأخيرة على الساحة اللبنانية لم تكن خاتمة دورة الصراع، مع أنها عملت وراهنت على أن تكون كذلك، لكن فشل الحسم وما يمكن أن يترتب عليه. ولذلك تحولت الى تموضع جديد داخل مسار أطول، تُعاد فيه صياغة طبيعة التهديد وحدود التعامل معه. فالاستنتاج المركزي الذي تبلور بعد أشهر من اتفاق وقف الحرب لا يقوم على افتراض إنهاء خطر حزب الله، بل على أن هذا الخطر تغيّر في شكله ودوره. غير أن هذا الاستنتاج، الذي كان يستند في مرحلته الأولى إلى منظومة قيود سياسية-إقليمية صارمة، خضع لتعديل بنيوي مع إدخال معطى جديد يتمثل في إبلاغ رئيس الوزراء "الإسرائيلي" وزراء حكومته بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح "إسرائيل" ضوءًا أخضر للتحرك العسكري في لبنان.

يُنظر إلى هذا المعطى، في دوائر التقدير "الإسرائيلية"، بوصفه تحولًا في بنية القرار لا في النية فقط. فالعامل الأميركي، الذي شكّل سابقًا عنصر ضبط وإيقاع، انتقل من موقع الكابح النسبي إلى موقع المُمكِّن المشروط، بما يعيد تعريف هامش المناورة المتاح لـ"إسرائيل" ويقلّص الكلفة السياسية المتوقعة لاستخدام القوة. ولا يُفهم هذا الضوء الأخضر باعتباره تفويضًا مفتوحًا لحرب شاملة، بل كإزالة مسبقة لعائق استراتيجي كان يحكم توقيت وحدود أي تصعيد واسع.

ضمن هذا الإطار المعدّل، تواصل "إسرائيل" تقييم نتائج الحرب باعتبارها إنجازًا عملياتيًا غير مكتمل استراتيجيًا. فقد تراجع حزب الله عسكريًا وردعيًا، وتضررت بعض قدراته النوعية. إلا أن هذا التراجع لم يصل، وفق التقدير "الإسرائيلي"، إلى مستوى الإخلال البنيوي بوظيفة الحزب العسكرية أو تفكيك منظومته التنظيمية. ويُقدَّر أن الحزب فقد نحو 40% من قدراته، ما يضعه في حالة دفاعية-ترميمية قابلة للانعكاس، لا في حالة انهيار. وهو ما يتعارض مع النسب التي سبق أن روجت لها القيادتان السياسية والأمنية "الإسرائيليتان".

لكن إدخال متغير الضوء الأخضر الأميركي يغيّر قراءة هذا الواقع من حيث الدلالة الزمنية. فبدل النظر إلى مرحلة الترميم باعتبارها مسارًا يمكن احتواؤه طويلًا عبر أدوات استنزاف وضبط محدودة، بات يُنظر إليها كمرحلة انتقالية خطرة قد تنتج، إذا ما اكتملت، وضعًا ردعيًا جديدًا أكثر تعقيدًا. وعليه، يتحول الزمن من عامل يمكن إدارته إلى عامل ضغط يدفع نحو التفكير في تسريع استخدام القوة قبل اكتمال التعافي. (مع ذلك لا يعني ما تقدم شن حرب بالضرورة، وإنما تصعيدًا مضبوطًا، أو تصعيدًا في الضغوط السياسية من أجل تهيئة الأجواء لخطوات داخلية في لبنان).

على المستوى اللبناني الداخلي، لا يزال التقدير "الإسرائيلي" يرى أن الدولة اللبنانية عاجزة بنيويًا عن اتخاذ قرار سياسي أو أمني يؤدي إلى تحجيم حزب الله أو تفكيك منظومته. غير أن أهمية هذا العامل في الحسابات "الإسرائيلية" تراجعت نسبيًا. فبينما كان الرهان سابقًا على تحويل الإنجاز العسكري إلى مسار سياسي تقوده الولايات المتحدة عبر الضغط على الدولة اللبنانية، بات يُنظر إلى هذا المسار بوصفه قناة ثانوية أو مكمّلة، لا ركيزة أساسية. ويعكس ذلك انتقالًا في التفكير من محاولة “تثبيت” نتائج الحرب سياسيًا، إلى الاستعداد لفرض وقائع إضافية بالقوة إذا اقتضى الأمر.

في المقابل، يستمر الدعم الإيراني لحزب الله كعنصر ثابت في صورة الوضع. غير أن التقدير "الإسرائيلي" المعدّل يفصل، بدرجة أكبر من السابق، بين إدارة الساحة اللبنانية وإدارة الصراع مع إيران. فبدل اعتبار التزاحم بين الساحتين عامل كبح متبادل، يُعاد تعريفه كمسألة ترتيب أولويات، حيث يمكن العمل في لبنان ضمن سقف مدعوم أميركيًا، من دون أن يعني ذلك استنزاف القدرة على التعامل مع التهديد الإيراني في مرحلة لاحقة.

ضمن هذا التصور، يُعاد تصنيف الخيارات "الإسرائيلية". فخيار الاستنزاف المحدود، القائم على الضربات الموضعية ومنع التعاظم، لم يعد الخيار المرجّح تلقائيًا، بل أحد الخيارات ضمن سلّم أوسع. وفي المقابل، يكتسب خيار العمليات الأوسع -وإن بقي دون مستوى الحرب الشاملة- قابلية أعلى للاستخدام، بوصفه أداة لإعادة إنتاج صدمة سياسية في الداخل اللبناني لتبرير المزيد من التنازلات وربما الارتقاء الى مزيد من الخطوات.

مع ذلك، لا يغيب عن التقدير "الإسرائيلي" أن هذا المسار ينطوي على مخاطر تصعيدية جدية. فكل استخدام موسّع للقوة يحمل في طياته احتمال كسر قواعد الاشتباك القائمة، وفتح مسار تفاعلي يصعب ضبطه، خصوصًا في ظل بنية قرار غير مركزية بالكامل لدى حزب الله، وتشابك الساحات الإقليمية. إلا أن الضوء الأخضر الأميركي يُقدَّر أنه يقلّص من كلفة هذا الاحتمال سياسيًا، حتى لو لم يُلغِ مخاطره عسكريًا.

في المحصلة، ترى "إسرائيل" أن الحرب فتحت نافذة زمنية نادرة، لكن المعطى الأميركي الجديد أعاد تعريف طبيعة هذه النافذة وحدود استثمارها. فالنجاح لم يعد يُقاس فقط بقدرة "إسرائيل" على إدارة التراجع الذي أصاب حزب الله ومنع تعافيه عبر الزمن، بل بقدرتها على استخدام القوة في اللحظة التي تتوافر فيها شروط التمكين السياسي وتكون فيها كلفة التأجيل أعلى من كلفة الفعل. وفي حال أخفقت "إسرائيل" في ترجمة هذا التمكين إلى وقائع ميدانية ضاغطة، فإن الخطر يتمثل في أن يتحول التراجع الحالي إلى محطة عابرة، تُفضي لاحقًا إلى عودة معادلة ردع أكثر صلابة وتعقيدًا. وعليه، تبقى الساحة اللبنانية اختبارًا مركزيًا لقدرة "إسرائيل" على المواءمة بين حرية القرار المتزايدة والمخاطر البنيوية للتصعيد، في بيئة إقليمية لم تُحسم اتجاهاتها بعد.

الكلمات المفتاحية
مشاركة