مقالات مختارة
لينا فخر الدين - صحيفة "الأخبار"
رغم ختم النائب العام التمييزي جمال الحجار التحقيق الأولي في قضية الأمير السعودي الوهمي "أبو عمر" وإحالته الملف إلى النائب العام الاستئنافي في بيروت، رجا حاموش، تمهيدًا لإحالته، على الأرجح، إلى قاضي التحقيق الأول في بيروت، رلى عثمان، للادّعاء على المتورّطين، فإن التداعيات السياسية لا تزال تتوسّع.
وما يزيد الأمور سوءًا افتضاح القضية بالتزامن مع التحضيرات الجارية للانتخابات النيابية. لذا، بدأت بعض الشخصيات التي وقعت في شباك "أبو عمر" عمليات جسِّ نبض السعودية، للتأكد من أنها لا تزال تحت رضاها، ومتمتعةً بدعمها. وحول ذلك، تقول مصادر متابعة، إن ما يُقلِق المرشحين المحتملين، وغالبيتهم نواب حاليون، ما وصلهم عن لسان السفير السعودي وليد بخاري، ومفاده أن قيادة المملكة لم تعد تثق بهذه الشخصيات، التي انتهت بالنسبة إليها، ومن المُستبعد دعمها في الانتخابات المقبلة أو تبنّيها سياسيًا، مع تحبيذها وصول شخصيات جديدة إلى المجلس النيابي، وولادة "طاقم سنّي" جديد. وهو ما يُفسّر استعجال النائب أحمد الخير إصدار البيان الذي فضح فيه مجريات اتّصال "أبو عمر" بالنائب محمد سليمان أثناء انعقاد اجتماع تكتّل "الاعتدال الوطني" قبيل تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة.
كما يتردّد أن أكثر ما يثير استغراب المملكة، كيفية وقوع البعض في فخّ "أبو عمر"، بعدما كان يُنظر إليهم على أنهم من الذين يمتلكون خبرة واسعة في السياسة، وعلى رأسهم الرئيس فؤاد السنيورة ورئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع. ويُروى أن الأحاديث التي تُنقل عن لسان بخاري فيها الكثير من الانزعاج من أداء "الفؤادَين" (السنيورة وفؤاد مخزومي)، على اعتبار أنهما يتواصلان مع السفارة السعودية أسبوعيًا ويتحدّثان مع بخاري في "الصغيرة والكبيرة"، ويضعانه في أجواء ما يحصل من أحداث محلية، إلّا أنهما لم يأتيا على سيرة "أبو عمر" لا من قريب ولا من بعيد على مدار كلّ هذه السنوات. وهو ما يجعلهما، في عيون السفارة، "غير موثوقين"، ويمنع عودة الحرارة إلى العلاقة التي كانت تجمعهما مع السفير السعودي، إلى سابق عهدها.
وما يزيد غضب المملكة على مخزومي ما تسرّب من التحقيقات الأولية، عن أنه هو من زوّد "أبو عمر" بشريحة الرقم البريطاني الذي كان الأمير المزعوم يجري عبره اتّصالاته، خصوصًا أن رئيس حزب "الحوار الوطني" يمتلك عددًا من الخطوط البريطانية، بسبب أعماله هناك، ويستخدمها عندما يكون خارج لبنان. ويردّد بعض السياسيين المحيطين بالقضية أن مخزومي، ومنذ انفضاح أمر "أبو عمر"، يحاول التواصل مع السفير السعودي وبعض المقرّبين من العاملين في الشأن الأمني في السفارة لتبرير موقفه، إلّا أن بخاري يتقصّد عدم الرد. كما يشير هؤلاء إلى أن بخاري، وبعدما انزعج من اتّصالات مخزومي المتكرّرة ورسائله، قام بحظر رقمه (Block)، لمنعه من التواصل معه.
في المقابل، لا يبدو أن الغضب السعودي ينسحب أيضًا على دار الفتوى، إذ رغم الانزعاج الشديد من أداء مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في هذه القضية، إلّا أن الرياض لا تُريد أن يظهر أي خلاف علني مع عائشة بكار. فهي حريصة على عدم التعاطي بسلبية معها أو تهميشها، لاعتبارها دريان مرجعيّة جامعة، وتخوّفها من فقدانها المرجعية السنّية الوحيدة، بعد تعليق الرئيس سعد الحريري عمله السياسي.
السعودية: لا علاقة لنا بالقضاء
وفي سياق متّصل، يؤكد المتابعون أن السعودية أبلغت السلطات اللبنانية أنها تريد معرفة تفاصيل قضية "أبو عمر" بحذافيرها وإكمال التحقيقات حتّى انكشاف دور جميع المتورّطين. غير أن المرجعيات السياسية فهمت من كلام مسؤوليها، أنه لا يعنيها مصير المتورّطين، وتترك للقضاء اللبناني اختيار المسار المناسب له. وقد فتح ذلك الباب أمام إمكانية إخلاء سبيل الشيخ خلدون عريمط خلال الأيام المقبلة بحجّة وضعه الصحي، في ما يقول آخرون، إن هناك محاولات لـ"لفلفة" القضية وإبعاد تفاصيلها عن الإعلام للحفاظ على ماء وجه السياسيين الذين وقعوا في خديعة "أبو عمر"، وإقفال الملف من دون المزيد من الفضائح، إذ يُروى أن جهات سياسية ودينية تمارس ضغوطًا على رجل الأعمال العكاري أحمد حدارة، كي يتراجع عن الدعوى. وفي حال حصل ذلك، ستكون القضية بحكم غير الموجودة، ولا سيما بعد اطّلاع السعودية على تفاصيل الملف، كما تراجع الموقوف مصطفى الحسيان عن الدعوى المُقامة على حدارة وعائلته، بعد الاعتداء عليه.