نقاط على الحروف
كاتب من لبنان
كلما ظهرت موجة احتجاج على الوضع المعيشي والاقتصادي في بعض المدن والقرى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحركت آلة الإعلام الغربي مستحضرةً عناوين جاهزة وتحليلات سطحية تتحدث عن "نهاية نظام الولي الفقيه"، مع نشر صور وفيديوهات مأخوذة من تظاهرات سابقة، لصناعة واقع إعلامي يطغى على الواقع الفعلي في الشارع.
لم تخرج الاحتجاجات الأخيرة في بعض مدن وقرى الجمهورية الإسلامية عن شكل وسياق الاحتجاجات والتظاهرات التي سبقتها، وظل الضجيج الإعلامي المرافق لها أعلى من صوتها، لا سيما بعد تدخل وسائل الإعلام الغربية والمنصات المحسوبة على المعارضة الإيرانية في الخارج، مصورةً الحركات الاحتجاجية وكأنها انتفاضة سياسية في وجه النظام، متجاهلة البنية الاجتماعية والسياسية الإيرانية.
لقد أثبتت الاحتجاجات الشعبية السابقة ضعف المعارضة الإيرانية التي تقيم في الخارج، والتي، لولا الإعلام الغربي الذي يحاول جعلها فقاعة كبيرة، لا وزن لها داخل الجمهورية الإسلامية، لا سيما وأنها تبني تحركها في كل مرة على أسماء لم تكن، أو لم تعد، فاعلة ومؤثرة بشكل كبير، في الأصل، حتى لو كانت بوزن محمد رضا بهلوي، وعلى التلويح الدائم والتهديد المستمر بالتدخل الخارجي.
في المقابل، تعاطت إيران الرسمية مع الاحتجاجات الأخيرة بطريقة أظهرت وعيًا عميقًا لطبيعة المواجهة، مع تقدير واقعي تعترف به الدولة للواقع المعيشي والاقتصادي الصعب الذي يعاني منه الشعب الإيراني بسبب الحصار المستمر على الجمهورية الإسلامية منذ عشرات السنين. وقد كان بإمكان الحكم استدعاء قاعدته الشعبية الواسعة في تظاهرات ضخمة لإظهار وزنه على الأرض في مقابل المحتجين، ما يجعل التحركات الاحتجاجية تنتهي في أيام قليلة، لكن الإعلام الغربي كان سيصور ذلك على أنه برهان على القمع الذي يمارسه النظام ضد "المحتجين المسالمين".
بالإضافة إلى ذلك، جاء خطاب السيد القائد الخامنئي منسجمًا مع هذا التقدير الواقعي، مدروسًا وهادئًا، خاليًا من التهديد واستعراض القوة، موضحًا الفرق بين المطالب الاجتماعية المحقة وبين العنف الجماعي المنظّم، وفي الوقت نفسه هدّد السيد القائد "المرتزقة" الذين يعملون لصالح الأجانب، محذرًا من مثيري الشغب الذين يسعون لإرضاء الرئيس الأميركي عبر تخريب الممتلكات العامة.
في الختام، أثبتت التجربة الإيرانية أن الرهان على الثورة الداخلية في إيران رهان خاسر، وأن الحكم لا يزال قادرًا على معالجة أوضاعه الداخلية، حتى المتعلقة منها بالواقع المعيشي اليومي للشعب، بكثير من الحكمة، ولا يزال الحكم ممسكًا بخيوط المشهد، مؤكدًا من جديد أن تغيير النظام في إيران لا يمكن أن يصنعه الإعلام الغربي المعادي.