اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي عضو رابطة موظفي الإدارة العامة لـ "العهد": الرابطة قرّرت تنفيذ إضراب عام

مقالات

غرينلاند… حين تتحول الجغرافيا إلى فريسة في عالم تحكمه شريعة الغاب
مقالات

غرينلاند… حين تتحول الجغرافيا إلى فريسة في عالم تحكمه شريعة الغاب

151

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

ليس سعي الولايات المتحدة للسيطرة على جزيرة غرينلاند نزوة عابرة، ولا تصريحًا انتخابيًا طائشًا يمكن إدراجه في خانة الشعبوية السياسية. ما يجري هو تعبير فاضح عن منطق الهيمنة الذي يحكم السياسة الأميركية منذ عقود، ويزداد توحشًا كلما تراجعت القيود الأخلاقية والقانونية التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

غرينلاند، هذه الجزيرة القطبية الشاسعة التابعة لمملكة الدانمارك، لم تعد في نظر واشنطن أرضًا نائية متجمدة، بل تحولت إلى كنز إستراتيجي بالغ الأهمية.

موقعها الجغرافي يجعلها عقدة مركزية في الصراع الدولي الجديد، فهي تطل على الممرات البحرية القطبية التي يفتحها ذوبان الجليد، بحيث إن التغيير المناخي وذوبان الجليد جعل روسيا تزيد من صناعة كاسحات الجليد التي تعمل بالطاقة النووية للاستفادة من هذا الممر والذي يوفر ٤٠% من تكاليف الخط البحري التجاري بين قارة آسيا وقارة أميركا.

وتشكّل غرينلاند نقطة ارتكاز عسكرية متقدمة في مواجهة روسيا والصين، فضلًا عن احتوائها على ثروات معدنية نادرة تدخل في صلب الصناعات التكنولوجية والعسكرية المستقبلية.

الإصرار الأميركي: أمن قومي أم جشع إستراتيجي؟

الخطاب الأميركي يختبئ خلف عناوين "الأمن القومي" و"الاستقرار العالمي"، لكن جوهر المسألة أبسط وأكثر فجاجة: من يسيطر على غرينلاند يملك مفتاح القطب الشمالي، ومن يملك القطب الشمالي يفرض شروطه على التجارة العالمية والطاقة والمعادن في العقود القادمة. هكذا تفكر الإمبراطوريات، وهكذا تتصرف حين تشعر بأن ميزان القوّة العالمي لم يعد يميل لها وحدها.

الأخطر في السلوك الأميركي ليس الطموح بحد ذاته، بل الطريقة. فبدل احترام سيادة الدول والقانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، تعود واشنطن إلى منطق الشراء والابتزاز والضغط السياسي، وكأن العالم لا يزال يعيش في القرن التاسع عشر. تصريحات تتحدث عن “شراء غرينلاند”، وضغوط تُمارس على كوبنهاغن، وتلويح غير مباشر بالأدوات العسكرية والاقتصادية… كلّ ذلك يعكس استخفافًا صارخًا بالقانون الدولي وبحلفاء يُفترض أنهم شركاء لا تابعون.

دانمارك محاصَرة بين الحليف والكرامة السيادية

تجد الدانمارك نفسها في موقع بالغ الحساسية: دولة صغيرة نسبيًا، عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنّها في الوقت نفسه مسؤولة قانونيًا وأخلاقيًا عن إقليم يتمتع بوضع خاص وحكم ذاتي. الرضوخ للضغوط الأميركية سيعني عمليًا فتح الباب أمام سابقة خطيرة: إذا كان يمكن الضغط على دولة أوروبية وابتزازها بهذه الطريقة، فما الذي يمنع تكرار النموذج في أماكن أخرى؟

ما يمكن، بل ما يجب على الدانمارك فعله، هو تدويل المسألة، لا إدارتها في الغرف المغلقة مع واشنطن. الدفاع عن غرينلاند ليس دفاعًا عن قطعة أرض فحسب، بل عن مبدأ سيادة الدول ورفض منطق القوّة. أي تساهل هنا سيكون بمثابة اعتراف ضمني بأن زمن القانون انتهى، وأن عصر الصفقات القسرية قد عاد.

أين الاتحاد الأوروبي؟

الصمت الأوروبي في هذه القضية لا يقل خطورة عن الغطرسة الأميركية. الاتحاد الأوروبي، الذي يكثر من الحديث عن “النظام الدولي القائم على القواعد”، مدعو اليوم لإثبات أن هذه القواعد ليست شعارات انتقائية تُستحضر فقط عندما تخدم مصالحه. دعم الدانمارك سياسيًا وقانونيًا، ورفض أي محاولة لفرض أمر واقع بالقوّة أو بالضغط، هو اختبار حقيقي لمدى استقلال القرار الأوروبي.

إن ترك واشنطن تتصرف وكأنها فوق القانون، حتّى مع حلفائها، يعني عمليًا القبول بعالم تحكمه شريعة الغاب: القوي يفرض، والضعيف يذعن، والقانون يُفسَّر على قياس من يملك القوّة العسكرية والاقتصادية.

خاتمة: العالم على مفترق خطر. 

قضية غرينلاند ليست تفصيلًا جغرافيًا، بل هي مؤشر على التحول العميق في العلاقات الدولية. إما أن يُعاد الاعتبار للقانون الدولي وسيادة الدول، وإما أن ننزلق أكثر نحو عالم بلا ضوابط، حيث تُرسم الخرائط على طاولات القوّة لا في أروقة الشرعية.

وفي عالم كهذا، لن تكون غرينلاند الضحية الأخيرة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة