مقالات مختارة
بلال اللقيس - صحيفة الأخبار
هي اللحظة الأخطر في تاريخ المواجهة، الإمبريالية تعلن فيها استحالة التعايش مع النموذج المقاوم حتّى لو كان تعايشًا صراعيًا أو سلبيًا كما مضى. فاستلحاق الهيمنة المتراجعة ثمّ إعادة إنتاجها صار يتوقف على مصير هذه المواجهة. هي الأخطر في طبيعتها، فشرعية نظام الهيمنة الدولية تلاشت عالميًا، ناهيك عن مشروعيته، ولم يبقَ أمامه إلا نشر الفوضى وتفجير الكيانات.
في المقابل، لم تبلغ جماهير وشعوب المقاومة في المنطقة، وربما العالم، هذا المستوى غير المسبوق من الوعي والنضج والرشد وإرادة الصمود والحافزية وروح التضحية وشجاعة الاعتبار والتعلّم كما لم نره من قبل. كأننا في خضمّ حنق شعبي نادر الحدوث ورغبة جامحة بالانتقام من منظومة الهيمنة العالمية، وبالذات الأميركية - الصهيونية. ولم يبلغ الصراع هذا المستوى من الانكشاف والوضوح في كلّ شيء، فكلّ أمر وكلّ اصطفاف صار واضحًا وعن بيّنة. فليست القسمة اليوم على الجغرافيا أو الاقتصاد وحدودهما، فقط، ولا المصلحة السياسية فقط، بل على كلّ شيء، حتّى الهويات والكرامة الإنسانية والحق في العيش الحر.
فإمّا التسليم لغرور القوّة ووهمها أو لأصالة الحق والكرامة والحق في التحرّر.
هي ليست بين قطبين وأيديولوجيتبن كالحرب الباردة، ولا بين أقطاب متعددة كالقرن التاسع عشر، بل تختلف اختلافًا كليًا في مضمونها وعنوانها واصطفافاتها. هي قسمة حضارية شاملة بين الطغيان والعدالة.
إذًا، عالم اليوم يمرّ في أصعب منعطف في حركة التاريخ.
لكن، ورغم كلّ ما يميز هذه المرحلة مما ذكرنا وغيره الكثير، فلم تصل القوى المتضررة والمستاءة من نظام الهيمنة الأميركي إلى تقاسم فاتورة الأعباء والكلفة، فيبقى العبء الكبير على جبهة المقاومة وشعوبها في حين إنّ الآخرين يبرّرون أو يتهرّبون من الكلفة. بل إنّ بعضهم يستغلّ احتدام الصراع بين خط المقاومة والنظام الغربي ليوسّع نفوذه الإقليمي أو الدولي أو ليملأ الفراغ في ساحات النزال عندما يكون التعادل سلبيًا بين المتصارعين.
ومع ذلك، تبقى مصلحة مشتركة تجمع الغالبية في هذه المرحلة للحد من الإطباق الإمبراطوري الأميركي أو لبتره. والسبب هو أنّ أي إدارة أميركية لا ترى نفسها إلا بمنظور أحادي. وإن ما يحكى اليوم عن انعزالية قومية تمارسها إدارة ترامب ليست في أحسن الأحوال أكثر من مرحلة انتقالية تفرضها الوقائع والإكراهات العالمية والداخلية للعودة مجددًا إلى الأحادية والتحكم العالمي. النظام الأميركي الإمبراطوري لا يقبل، بطبيعته، أي آخر كندّ وشريك.
يساعد على الحاجة إلى التقاطعات أن بناء جبهة المقاومة، أي نواة الحال العالمية للمقاومة، مركزه الجمهورية الإسلامية في إيران، والأخيرة هي البوابة الجيوستراتيجية نحو الشرق. لذلك، فالنواة ضرورة للشرق من أجل التوازن، وأميركا التي افترضت صراعًا حضاريًا شاملًا لن تتمكّن من ذلك دون إنهاء صراعها مع جبهة المقاومة وحسمه لصالحها، وهو ما لم يحصل إلى الآن منذ خمسة عقود تقريبًا. موقع وتأثير جبهة المقاومة في المنطقة لا يمكن تجاوزه في أي بحث مستقبلي لتوزيع القوّة في العالم، وهو ما تدركه الصين جيدًا قبل غيرها.
لذلك، فإنّ اللحظة ليست للمناورة، لا للصين ولا للدول الإسلامية والعربية. التكتيك الآن صار إستراتيجيًا وربما مصيريًا. فهل تنبّه المسلمون الذين يفكرون بوراثة الفراغ المحتمل بعد الصدام الكبير عوضًا عن دعم جبهة المقاومة وتحمل التبعات؟
صحيح أن عدّة وعديد جبهة المقاومة قليل ومتواضع مقارنة بأعدائها، إلا أنهم كثيرون بإيمانهم وحقهم وعمق انتمائهم ووحدة كلمتهم ونموذج قيادتهم وصدق خطابهم وثباتهم، فلم تدفعهم الضغوط، التي لم يواجهها شعب ودولة في التاريخ الحديث، للبحث عن ثمن مقابل المقاومة أو المساومة على المبادئ الأولى. بكلام آخر، إن بنية المقاومة التحتية تعززت وامتدت وخطابها اتسع رغم ما خسرته في بنيتها الفوقية، وهذا هو الأهم.
في هذه المواجهة التاريخية نحن أمام سيناريوهات عدة؛ إمّا تنازل أميركي في مسألة المنطقة ويعني ذلك تقدمًا تلقائيًا لجبهة المقاومة وإعادة الاعتراف بها كمحور للمنطقة. هذا احتمال ضعيف جدًا اليوم إن لم نقل مستحيلًا، لا سيما مع وجود ترامب - نتنياهو. أو مواجهة حاسمة وسريعة متصاعدة في طرائقها ومكثفة زمنيًا تضع فيها أميركا و"إسرائيل" ثقلهما وتبقى حدود الصراع مضبوطة في الإقليم. لكن هذا النموذج تمّت تجربته ولم ينجح وقد يتحول إلى استنزاف متبادل، وهذا ما تهرب منه "إسرائيل" ويخشاه ترامب وقاعدته الشعبية التي ملّت وسئمت حروب غرب آسيا.
وإمّا التدحرج إلى حرب عالمية، عندما يلمس خصما أميركا الدوليين، الصين وروسيا، أنّ مستقبلهما كأقطاب في العالم الجديد مهدّد - خصوصًا الصين - وهذا ما سيجرّ المشهد إلى تدحرج يفضي إلى مواجهة عالمية وليس إقليمية فحسب.
لذلك، فإنّ خط المقاومة اليوم هو خط الدفاع الأهم والأخير عن الجميع دون استثناء، دولًا وشعوبًا وأحرارًا، فهل سيرتقي الكل إلى هذه اللحظة الفارقة في التاريخ.
الأكيد أنّ أميركا متردّدة ومتخوفة، لا سيما بعد فشل جولتها الأخيرة مع إيران. و"إسرائيل" في مأزق، إذ لا تزال بعيدة عن أهدافها في غزّة ولبنان واليمن. وأميركا تخشى الانزلاق الكبير في المنطقة الذي يتهدّد إدارة ترامب وسيولد اضطرابًا أميركيًا داخليًا تصعب معالجته في ظل ما تعانيه أميركا من تناقضات داخلية. كما أنّ الشعب الأميركي متخوّف من جرّ "إسرائيل" لإدارة ترامب لحرب مفتوحة في المنطقة بعد أن تبيّن لـ"إسرائيل" استحالة تحقيقها لأهدافها مهما طال الزمن.
بمعزل عن أي سيناريو ستسلكه أميركا قريبًا وردود الفعل المقابلة عليه، فالأكيد أن جبهة المقاومة تكيّفت مع متطلبات المرحلة وأدواتها والتعاطي معها وربما تكون أمام إستراتيجية مختلفة بدل الصبر الإستراتيجي.
العالم على مفترق طريق تاريخي يتداخل فيه تحول النظام الدولي مع الانتقال الحضاري. مستقبله مشروط بصمود جبهة المقاومة وإسقاطها لأهداف أميركا. لأول مرة هذه المنطقة تكون في موقع متقدّم في المواجهة العالمية وليست جزءًا من محور خارجي كما حال القرون الأخيرة والحرب العالمية الأولى (دول المحور). لأول مرة نحن حيثية مستقلة تتعاون مع خصوم أميركا وليست مرتبطة بهم. لأول مرة الصفوف والاصطفافات والعناوين مختلفة وتتجاوز المصالح وحسابات النفوذ. لأول مرة دوافع الصراع عند أعدائنا متداخلة ومتناقضة بينما حالنا مختلفة.
لذلك، من الممكن القول إنه بمقدار التهديد الوجودي القائم فهناك فرصة تاريخية يمكن أن تصنعها شعوب المقاومة إذا نجحت في الصمود. هل ستنظر شعوبنا والأنظمة، ولو لمرة، كيف يعززون أسهمهم في هذا الصراع، بدل الاستغراق في الطعن من الخلف أو المنافسة على الزعامة ومن سيقود! ليس المهم اليوم من سيسقط مشروع الكيان الصهيوني كتعبير عن العالم الجديد المنتظر وموقع المستضعفين فيه. هل سنترك خلافاتنا جانبًا، ولو لمدة، ونتفاهم على "سنوات حرم" نوقف فيها صراعاتنا البينية، ومن بعد ذلك نختلف إن شئنا ونتصارع!