اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي ريال مدريد في اختبار مفاجآت الكأس أمام ألباسيتي بدور الـ16

منوعات

كيف تُنهك شبكات التواصل عقولنا وعلاقاتنا؟
منوعات

كيف تُنهك شبكات التواصل عقولنا وعلاقاتنا؟

50

هل نحن مؤهلون نفسيًا وعقليًا للتعامل مع سيل التنبيهات ورسائل تطبيقات التواصل الاجتماعي التي تصلنا بلا توقف؟ سؤال يفرض نفسه مع تصاعد الشكاوى من الإرهاق الذهني والضغط النفسي المرتبط بالهواتف الذكية، خاصة مع تطبيقات مثل واتساب وفيسبوك التي باتت جزءًا يوميًا من الحياة الاجتماعية والمهنية.

تبدأ الحكاية بتجربة شخصية بسيطة، حين تلقى أحد المستخدمين صباحًا رسالة عتاب من صديق لأنه لم يرد على رسالة سابقة بقيت خمسة أيام دون إجابة. محاولة الاعتذار قادته لاكتشاف أن هاتفه يحتوي على أكثر من 600 رسالة واتساب غير مقروءة، إضافة إلى شبكة علاقات رقمية تضم آلاف الأصدقاء والمتابعين على فيسبوك، لا يعرف معظمهم معرفة مباشرة. هذا الواقع يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يستطيع الإنسان فعلًا إدارة هذا الكم من العلاقات الرقمية دون أن يدفع ثمنًا نفسيًا وعقليًا؟

تقوم فكرة الصداقات الرقمية على سهولة التواصل وبناء علاقات مع أشخاص يشبهوننا في الاهتمامات والآراء، وهو ما تعززه خوارزميات المنصات الاجتماعية. غير أن هذه السهولة، رغم ما توفره من ترفيه وراحة ودفء عاطفي، تحمل جانبًا آخر أقل إشراقًا. فالعلاقات الرقمية غالبًا ما تكون بلا التزامات حقيقية، مقارنة بالعلاقات الاجتماعية الواقعية التي تتطلب حضورًا ومشاركة فعلية في الأفراح والأحزان، وتفرض مسؤوليات مادية ومعنوية لا يمكن تجاهلها.

ومع توسع الفضاء الرقمي، أصبح من المغري الانسحاب من دوائر الانتماء التقليدية، مثل العائلة والمجتمع، لصالح هويات رقمية ضيقة قائمة على التشابه والتماثل. هذا التحول، وفق مختصين، يضعف الروابط الاجتماعية الحقيقية ويعيد تشكيل مفهوم الصداقة ذاته. ويشير عالم الاجتماع زيغمونت باومان إلى مفارقة لافتة، إذ بات المستخدمون يتباهون بآلاف “الأصدقاء” الرقميين، في حين أن العقل البشري غير مهيأ أصلًا لإدارة هذا العدد من العلاقات.

وتدعم الأبحاث العلمية هذا الطرح، إذ توصل البروفيسور روبين دنبار من جامعة أكسفورد إلى أن الإنسان لا يستطيع الحفاظ إلا على نحو 150 علاقة اجتماعية مستقرة، وهو ما يعرف بـ«رقم دنبار»، حتى مع وجود دراسات رفعت هذا العدد إلى نحو 290 علاقة. ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام بعيدة جدًا عن آلاف العلاقات التي تروج لها منصات التواصل، ما يجعل العلاقات الرقمية عبئًا نفسيًا يفوق طاقة الإنسان.

إلى جانب ذلك، يفرض تطبيق واتساب نمطًا اجتماعيًا جديدًا غير مكتوب، يقوم على توقع الرد السريع والدائم. فالمستخدم قد يكون عضوًا في عشرات المجموعات، ويتلقى مئات الرسائل، خاصة في مناسبات متكررة مثل صباحات الجمعة، حيث تتحول عبارات التهنئة إلى مصدر إرهاق ذهني رغم حسن نوايا مرسليها. ويزداد الضغط حين يتعامل كل مرسل مع المتلقي على أنه الوحيد الذي يراسله، متوقعًا ردًا فوريًا.

ولا يتوقف الأمر عند الجانب الاجتماعي، بل يمتد إلى الحياة المهنية، إذ تلاشت الحدود بين وقت العمل والوقت الشخصي، مع لجوء المديرين وزملاء العمل إلى التواصل عبر واتساب في أي وقت، ما يبقي العقل في حالة استنفار دائم حتى داخل البيت.

ويحذر خبراء من أن هذا الإنهاك ليس عشوائيًا، بل تغذيه خوارزميات مصممة بعناية. فشركات التكنولوجيا، وفق تقارير متخصصة، طورت منذ سنوات أنظمة تستهدف إفراز “الدوبامين” في الدماغ عبر توقيت مدروس للتنبيهات والإعجابات، كما يفعل إنستغرام حين يؤخر عرض التفاعل ليقدمه في اللحظة الأكثر تأثيرًا، بهدف إبقاء المستخدم أطول وقت ممكن داخل التطبيق.

وسط هذا المشهد، يجد كثيرون أنفسهم مضطرين للتنقل يوميًا بين محادثات اجتماعية وعائلية ومهنية متداخلة، ما يقطع التركيز ويستنزف الطاقة الذهنية. ومع تشكل قواعد اجتماعية رقمية جديدة، بات التأخر في الرد يُفسر أحيانًا على أنه تقصير أو تجاهل، حتى من أقرب الناس، في مؤشر واضح على التحول العميق الذي أحدثته تطبيقات التواصل في حياتنا اليومية.

في المحصلة، لا يبدو أن المشكلة في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في حجمها وسرعة تمددها مقابل قدرات بشرية محدودة على التكيف. وبين إغراء العلاقات الرقمية وسهولتها، وثقل العلاقات الواقعية والتزاماتها، يظل السؤال مفتوحًا: كيف نوازن بين العالمين دون أن نخسر صحتنا النفسية وروابطنا الإنسانية الحقيقية؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة