اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي فضل الله: التمديد لمجلس النواب لا يخدم مصالح لبنان

تكنولوجيا

كيف تصنع المنصات الرقميّة الهويّة الثقافيّة والسياسيّة للفرد؟
🎧 إستمع للمقال
تكنولوجيا

كيف تصنع المنصات الرقميّة الهويّة الثقافيّة والسياسيّة للفرد؟

81

مع تصاعد تأثير منصات التواصل الاجتماعي في الحياة اليوميّة، لم يعد الفضاء الرقمي مجرّد أداة للتواصل أو الترفيه، بل تحوّل إلى أداة فاعلة في تشكيل الهويّة الثقافيّة والسياسيّة للأجيال الجديدة. فمن "فايسبوك" و"إنستغرام" إلى "تيك توك" و"يوتيوب" و"إكس"، تعاد صياغة القيم والمواقف.

في هذا التحقيق، تحدّثنا إلى الباحثة نهوند القادري (باحثة وأكاديمية في علوم الإعلام والاتصال في الجامعة اللبنانية)، والدكتور طليع حمدان (رئيس قسم التاريخ والحضارة القديمة في جامعة المعارف)، والدكتورة سالي حمود (دكتوراه في الإعلام والذكاء الاصطناعي)، والنقيب ربيع بعلبكي (رئيس نقابة تكنولوجيا التربية في لبنان)، حيث قدّموا قراءاتهم لدور المنصات في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، وتأثيرها في البنية الثقافيّة والسياسيّة.

نهوند القادري: الفردنة الرقميّة وتراجع الحقيقة 

ترى د.نهوند القادري أن التسارع التقني أحدث تحوّلات عميقة طالت البنى الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصادية، مترافقة مع تمدّد رأسمالي أسهم في إضعاف الهياكل الوسيطة وإفراغ الديموقراطيّة من مضمونها. ونتيجة لذلك، تفتّت الرأي العام إلى جماعات متباعدة داخل «فقاعات» مغلقة، ما صعّب التلاقي على المصلحة العامة أو الاتفاق على حقيقة مشتركة.

وتوضح أن "الفضاء العام الذي كان، في مرحلة الحداثة، مجالًا لتشكّل الإرادة السياسيّة عبر الأحزاب والنقابات والقوى الوسيطة، تراجع بفعل الفردنة المتصاعدة، فتعدّدت المرجعيّات وتشتّت الخطاب العام، ولم يعد هناك مركز واحد للمعنى، فيما بات اللايقين والاختلاف والتسارع قيمًا موجِّهة للأفراد بدل اليقين والوحدة".

وبحسب القادري "أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الهوية الثقافيّة والسياسيّة للأجيال الجديدة في ظلّ تراجع أدوار المدرسة والأسرة وتعدّد مصادر المعنى، كما تحوّلت المعرفة إلى سلعة تُقاس بقيمتها في السوق أكثر مما تُقاس بقيمتها المعنويّة. وفي هذا السياق، وجدت فئات تسعى إلى حماية هويتها نفسها في حالة توتّر دائم، ما يدفعها إلى الانكفاء والتشدّد دفاعًا عن الذات".

وتلفت إلى "أن البيئة الرقميّة تميل إلى إنتاج خطاب صراعيّ عند غياب المعايير الناظمة، الأمر الذي ينعكس على بناء الشخصيّة وأنماط التفاعل مع الآخر". فالهويّة، برأيها، "تتشكّل في العلاقة مع الغير، وعندما تختل هذه العلاقة بفعل الانغلاق والشرنقة الرقميّة، تتزايد النزعات الشعبوية والتطرف".

وتحذّر القادري من "وهم المساواة والانفتاح المطلق في الفضاء الرقمي"، مشيرة إلى أن "منصات كبرى مثل غوغل تقوم على اقتصاد بيانات يستثمر معلومات المستخدمين ويوظّفها في مجالات متعددة، ما يضع الأفراد أمام تحديات تتعلق بالخصوصيّة والسيادة المعرفيّة، خصوصًا في المجتمعات العربيّة". "وتستخدم هذه المعلومات كلّ من الاستخبارات وشركات الاستطلاع والحملات الانتخابيّة. وهذه مشكلة كبيرة جدًا وقعنا بها، خاصة في عالمنا العربي، فنحن منتوجات في هذا العالم وعُرضة للبيع والشراء والاستخدام وكلّ ما هنالك".

طليع حمدان: المنصات تصنع الرأي العام ولا تنقله فقط

يُشير د. طليع حمدان إلى "أن وسائل التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى فضاء مركزي في صناعة الرأي العام، بعدما أفرزت فئة من المؤثرين بات تأثيرها يتجاوز أحيانًا الشخصيّات العامة التقليديّة. وقد دفعت هذه التحوّلات الأحزاب السياسيّة والجماعات الدينيّة والجمعيات المدنيّة إلى الاستثمار المُكثّف في المنصات الرقميّة للوصول إلى جمهور واسع، خصوصًا فئة الشباب الأكثر حضورًا وتفاعلًا".
وأشار أيضًا إلى أن "لكلّ منصة جمهورها ووظيفتها الاجتماعية، إذ يحظى "إنستغرام" و"تيك توك" بانتشار واسع بين الشباب، بينما يحافظ "فايسبوك" على تأثيره بين الفئات الأكبر سنًا، ويبرز "يوتيوب" كمنصة مركزية لصناعة المحتوى المرئي المؤثر. وبهذا المعنى، لم تعد وسائل التواصل تنقل الرأي العام فحسب، بل تشارك في إنتاجه وتوجيهه ضمن فضاء سريع التغيّر".

ويضيف أن "التعرّض المُتكرر للمضامين الرقميّة يسهم في ترسيخ منظومات قيميّة جديدة، ما يجعل هذه المنصات عاملًا مباشرًا في تشكيل الهوية الثقافيّة للأجيال الجديدة وإعادة تعريف الانتماء والوعي الجمعيّ".

وفيما يخصّ ملف المُقاطعة، يلفت حمدان إلى أن وسائل التواصل "أدّت دورًا تعبويًا واضحًا من خلال ربط الجمهور بحركة عالميّة وتوسيع دائرة الوعي، إلا أن تأثير الخطاب المرتبط بالمقاومة بدا أكثر تعقيدًا، نتيجة القيود المفروضة على بعض المضامين، إضافة إلى اعتماد بعض المُؤثرين خطابًا حادًا أو انفعاليًا يحدّ من القدرة على الإقناع ويؤدي إلى ردود فعل عكسيّة. وهنا، تبرز، برأيه، ضرورة تطوير خطاب رقميّ متوازن يجمع بين الفاعليّة والتأثير المسؤول".

سالي حمود: انتقال المجال العام إلى الفضاء الرقميّ

تؤكد د. سالي حمود أن "تشكيل الرأي العام انتقل بدرجة كبيرة من الساحات التقليديّة إلى الفضاء الافتراضي، حيث تتحوّل تفاعلات المستخدمين إلى مادة تغذّي المنصات التي تقوم أساسًا على استثمار الهوية الرقميّة ونشاط الأفراد". وترى أن "الاستقطاب الحاد في المواقف، وما يرافقه من توتر في تقبّل الرأي الآخر، يعزّز من قوة هذه الوسائل في التأثير وصياغة الوعي".

وتشير إلى أن "الفاعلين السياسيين حول العالم نقلوا حضورهم التأثيريّ إلى المنصات الرقميّة، مستشهدة بتجربة دونالد ترامب التي أظهرت قدرة وسائل التواصل على تعبئة الجمهور وتعميق الانقسام السياسي".

وبحسب حمود "أصبحت وسائل التواصل بالنسبة إلى الأجيال الجديدة بمنزلة الجريدة والتلفزيون والراديو وفضاء النقاش العام في آن واحد، ما يمنحها دورًا مباشرًا في تشكيل الهوّية الثقافيّة والسياسيّة للشباب".

ربيع بعلبكي: الذكاء الاصطناعي يُعيد تعريف مركزية التعلّم

يحذّر الخبير التكنولوجي ربيع بعلبكي "من التحوّل المتسارع الذي تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال التعليميّ"، موضحًا أن هذه الأنظمة قادرة على تحليل سلوك المستخدمين وتتبّع ميولهم بدقة عاليّة، ما يُتيح إنشاء نماذج رقميّة تُحاكي المتعلّم. ويرى أن غياب الحوكمة والتنظيم قد يُفضي إلى انتقال مركز العمليّة التعليميّة من الإنسان إلى الأنظمة الرقميّة.

ويميّز بين "الذكاء الاصطناعي المُساعد، الذي يقدّم الدعم المعرفي، والذكاء الاصطناعي الوكيل القادر على اتّخاذ قرارات وتنفيذ مهام بالنيابة عن المُستخدم، محذرًا من انعكاسات ذلك على الاستقلاليّة الفكريّة والثقافيّة".

ويحذّر بعلبكي "من فقدان السيطرة على الأيديولوجيات المُخرزمة الهجينة الدخيلة من فضاء البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وسيكون هو الرسول المُبشّر للتطبيع الإبراهيميّ، وهو ذكاء اصطناعي وكيل يدخل يُقرر ويُؤثر". 

و"الحلّ، برأيه، يكون بإنشاء مُلقمات خوادم سحابيّة تحتوي على مَكنز ثقافة عربيّة يجعل من التصفيّة مرورًا إلزاميّا على المعارف الحكميّة والعبادات والمعاملات والعادات والتقاليد التي تُشبه مبادئنا وإنسانيتنا لتكوين ترسانة رقميّة قويّة مُؤنسنة مسؤولة".

ختامًا..

تكشف آراء الخبراء أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسائط لنقل المعلومة، بل تحوّلت إلى بنية مؤثرة تُعيد صياغة المجال العام. ومع انتقال النقاش العام من الساحات إلى الفضاء الافتراضي يظهر أن الهوية الثقافيّة والسياسيّة باتت مرتبطة إلى حدّ بعيد بكيفيّة إدارة الفضاء الرقميّ. من هنا تبرز الحاجة إلى خطاب رقميّ مسؤول، وحَوكمَة واعية، وثقافة قادرة على تحويل وسائل التواصل من أدوات جذب إلى فضاء معرفيّ.

الكلمات المفتاحية
مشاركة