اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بحشودٍ شعبية غفيرة.. طهران تشيّع نحو 300 شهيد ارتقوا خلال أعمال الشغب المسلّح

نقاط على الحروف

يوسف رجّي: حكاية
نقاط على الحروف

يوسف رجّي: حكاية "دبلوماسيّ" لا يقرأ! 

65

كاتبة من لبنان

مرّ ما يقارب العام على تولّي يوسف رجّي، "القوّاتيّ" العتيق، منصب وزير الخارجية في لبنان. والعام فترة كافية عادة لتظهير قدرات المرء الوظيفية وتبيان نجاحه في أداء الدور المنوط به من عدمه. لذلك، على الرغم من علامات الاستفهام الكثيرة حول سيرته الوظيفية كدبلوماسيّ وحول المشاهد التي أثارت استغراب المشاهدين في بداية مسيرته الوزارية، آثر معظم اللبنانيين، ولا سيّما الذين يستعديهم رجّي علانية، مراقبة الأداء الذي سيقدّمه كوزير للخارجية، في مرحلة شائكة وحساسة على المستوى الإقليمي والدولي، وليس فقط الداخلي. 

عادة، يتحلّى العاملون في السّلك الدّبلوماسيّ بحدّ أدنى من اللياقات ومن المقدرة على التعبير عن الذات بشكل يتحاشى الصدام والتطرّف، إلّا أنّه في حالة رجّي، غلب "القواتيّ" فيه رجلَ الدبلوماسية، فلم يكتفِ بالتقصير الوظيفيّ إزاء الاعتداءات المتواصلة التي يتعرّض لها لبنان، سواء لناحية إدانتها أو تقديم الشكاوى بخصوصها، وهو أضعف الإيمان، بل ذهب أبعد من ذلك بكثير: وقف مرارًا يبرّر العدوان حتى بلغ حدّ اعتباره "حقًّا إسرائيليًا" طبيعيًّا. 

خلال العام، ترافق كلّ ظهور إعلامي للوزير رجّي بسيول من الاستغراب والاستهجان، من طريقته في تقديم نفسه: "أنا تيس"، إلى عدم مراعاته أيّ لياقات وبروتوكولات دبلوماسية معتمدة، سواء في استلابه الشديد للمبعوثين الأميركيين بحيث يتقبّل بمباهاة أن يكيلوا له الإساءات عبر "استدعائه" للقائهم وليس زيارته كما تحتّم الأصول "السيادية"، أو في صلافته الاستعراضية حين يتعلّق الأمر بدبلوماسيّ إيرانيّ، رغم التزام الدبلوماسية الإيرانية بجميع الإجراءات المرعية قبل الزيارة وبعدها. ولا ننسى طبعًا نظريّته لحماية لبنان من العدوان والتي أدهشت عالم الدبلوماسية، يوم صرّح عن خطّته لمنع الاعتداءات "الإسرائيلية" لاحقًا، والتي تقوم على "البكاء" للأميركي. ولمّا لم يشعر رجّي أنّ ما ارتكبه الى حدّ الآن بحقّ العمل الدبلوماسيّ ليس كافيًا بعد، قام مؤخّرًا باستعراض كلاميّ يشي لا بفشل وظيفيّ ذريع، بل وأيضًا بتمترس واضح ضد لبنان، وبعجز صريح عن مداراة الموقف المتطرّف ضدّ الأرض وناسها. أهون هذين الأمرّين الفشل، والذي نمّت عنه قراءة رجّي الخاطئة لإعلان وقف اطلاق النّار في تشرين الثاني ٢٠٢٣. فالإعلان نصّ على توقيت محدّد لـ"وقف الأعمال العدائية"، وهو ما التزم به لبنان حرفيًا، باعتراف جميع الدّول الراعية للإعلان والمطّلعة على الوضع في المنطقة، وباعتراف قوات الطوارئ الدولية، وبتأكيد الجيش اللبنانيّ والرئاسات الثلاث في لبنان. غابت هذه الحقائق والوقائع عن ذهن رجّي حين اعتبر أنّ من "حقّ إسرائيل الاستمرار في العدوان" ما لم تتحقّق "حصرية السلاح"، مع الإشارة إلى أن هذا الشرط هو مطلب "إسرائيلي" حصرًا، لم يرد في أيّ اتفاق وقّعه لبنان. 

أمّا الأمرّ، فهو الخطاب المتطرّف والذي يتعمّد الحديث عن المقاومة كعبء على اللبنانيين ويدّعي عجزها عن حمايتهم، متجاهلًا حقيقة ساطعة يقرّ بها حتى المبعوثون الذين يستدعونه كي يحضر إليهم حين يأتون، كما يقرّ بها اللبنانيون جميعًا، والذين نعموا بالحماية وبالأمان منذ تموز ٢٠٠٦ وطوال سبعة عشر عامًا لم يتجرّأ خلالها "الإسرائيلي" على القيام بأيّ عمل عدوانيّ، ورغم وضوح حقيقة أنّ الصهاينة استباحوا أرض لبنان وسماءه، وأمعنوا في قتل أهله فقط حين تركت الساحة للدبلوماسية. وذلك مفهوم طبعًا ومتوقّع، ما دام على رأس هذه الدبلوماسية "قواتيّ" يحسب الاستجابة للمطلب الأميركي شرطًا طبيعيًا وجب تنفيذه، وإلّا! وما دام في وزارة الخارجية من يرتضي تشويه الحقائق الساطعة ويتعمّد التضليل الصريح حين يقول إن المقاومة، وهي ابنة هذه الأرض وورقة الحماية الوحيدة للبنان، "عبء ثقيل على البلد"، علمًا أنّ الوقائع تؤكّد أنّ المقاومة لا تشكّل عبئًا إلّا على "إسرائيل" ومن أنشأها ويرعاها، وأن أمثال رجي هم العبء الأكبر على مصالح الوطن وأبنائه.

لقد وضع رجّي نفسه في خانة شبهة سياسية وقانونية خطيرة: فحامل العبء هو الصهيوني، هل يريد رجّي القول إنّه يشترك معه في الشعور نفسه؟ الإجابة عنده، أو التصويب وتوضيح مقاصده، إذ ربّما غلبته انفعاليّته المعروفة فأخطأ التعبير، من يدري؟!، كما أخطأ حينما اعتبر أن الولايات المتحدة الأميركية تدعم الدولة اللبنانية فيما هي في حقيقة الأمر تدعم العدو "الإسرائيلي"، وتستخدم بعض اللبنانيين كأدوات في تحقيق وخدمة الكيان الغاصب.   

بكلّ الأحوال، لو أنّ المقاربة القانونية والدستورية مصانة، لكان معنى ما عبّر عنه الوزير رجّي يقع في خانة جريمة الخيانة، بناء على مواد قانون العقوبات اللبناني رقم ٢٧٤ و٢٧٥ و٢٧٦ و٢٧٧، ولو أنّ المساءلة المؤسّساتية والدستورية متوفّرة، لوجب على أقلّ تقدير عرض أفعال ومفردات رجّي على مجلس النواب بحيث تُسقَط عنه الثقة، حفاظًا بالدرجة الأولى على احترام موقعية وزير الخارجية، وصورة العمل الدبلوماسي في لبنان. 
 
باختصار وبتجرّد شديد، فبقدر ما يبيح رجّي دماء شريحة كبيرة من اللبنانيين، بدم بارد، ويمنح العدوّ مبرّرات وأعذارًا تسوّغ له استباحة أرضهم وسمائهم، هو يؤذي نفسه بالتموضع صراحة في ضفّة معاداة النّاس، لأن التاريخ ليس دبلوماسيًا بما يكفي لتجميل كلّ ما يرتكب رجّي، وما قد يرتكب بعد، ولأنّ محكمة الذاكرة ستدين أبدًا وزير خارجية قال فيما يسيل دم المواطنين في بلده، إنّ سيل هذا الدم "حقّ" للعدو، وإن العدوان مسألة طبيعية وإنّ مقاومته عبء. لن تغفر الأجيال أيًّا من هذا، وربّما لن تغفر لنا أنّ وزيرًا بعد قوله هذا، ظلّ في منصبه. بالمختصر، وحصرًا للنقاش في آخر ما فعل رجّي، أخطأ الرّجل في قراءة الاتفاق وفي فهمه، وأخطأ في قراءة حكاية هذه الأرض وتاريخ أهلها، وأخطأ في قراءة الواقع الذي يحدّث عمّن حمى وصان، وعمّن عجز وفشل، ربّما، لكنّ وجدان الناس، كما التاريخ، لن يخطئ في تقييمه، أبدًا.

الكلمات المفتاحية
مشاركة