اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي وفد برئاسة النائب رامي أبو حمدان يزور مطرانيات زحلة مهنئًا بالأعياد

خاص العهد

الرصاص في مينيابوليس.. والحرية في إيران: تناقضات إدارة ترامب تحت المجهر
خاص العهد

الرصاص في مينيابوليس.. والحرية في إيران: تناقضات إدارة ترامب تحت المجهر

60

في تناقض صارخ بين الخطاب والممارسة، تواصل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الترويج لنفسها حاميةً لحق التظاهر في إيران، فيما تواجه الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة بالرصاص والقمع والحشود الأمنية. فبينما تدين واشنطن ما تسميه انتهاكات بحق المتظاهرين في الخارج، تشهد شوارع مينيابوليس ونيويورك غضبًا متصاعدًا على مقتل سيدة أميركية برصاص عناصر شرطة الهجرة، في حادثة إعدام ميداني، قوبلت بإنكار رسمي وتصعيد أمني غير مسبوق. مشاهد تعكس ازدواجية المعايير في إدارة ترامب التي تبارك الاحتجاج حين يخدم أجندتها السياسية، وتقمعه حين يفضح سياساتها داخل حدودها.

في هذا السياق، قدّم نائب رئيس المركز العربي الدولي للتواصل؛ الدكتور زياد الحافظ في حديث لموقع "العهد" الإخباري قراءة سياسية تكشف البنية الحقيقية لسلوك إدارة دونالد ترامب، بوصفها إدارة لا تحكمها المبادئ ولا القيم التي ترفعها شعارًا، بل منطق المصالح الصرفة واستخدام القوّة أداةً وحيدة لإدارة الداخل والخارج معًا. فالمشهد الأميركي الراهن، كما يراه الحافظ، يختصر أزمة بنيوية في النموذج الأميركي نفسه، حيث تتهاوى الادّعاءات الديمقراطية أمام أول اختبار داخلي جدي.

يبدأ الحافظ من السؤال الجوهري: كيف يمكن مقاربة الاحتجاجات في الولايات المتحدة في وقت نرى دعمًا أميركيًا مباشرًا، سياسيًا وإعلاميًا، لاحتجاجات في إيران، وتورطًا أو تهديدًا بالتورط العسكري في دول كفنزويلا؟ الجواب، وفقًا لما قاله، يكمن في الصورة النقيضة بين السلوك الأميركي داخليًا وخارجيًا. ففي الداخل، تُواجَه التظاهرات التي تعارض سياسات الإدارة بالقمع، ونشر قوات الأمن، وشيطنة المحتجين، واتهامهم بالإرهاب أو الفوضى. أما في الخارج، فتتحول التظاهرات التي تخدم الأجندة الأميركية إلى ثورات شعبية ونضال من أجل الحرية.

ويشدد الحافظ على أن هذا ليس تناقضًا بالمعنى الأخلاقي بالنسبة للإدارة الأميركية، بل هو انسجام كامل مع منطقها السياسي. فالسياسة الأميركية، كما يصفها، واضحة: دعم أي حراك يخدم التوجّهات الإستراتيجية للإدارة، وقمع أي حراك يهدّد سلطتها أو يكشف فشل سياساتها. هنا تسقط الديمقراطية من كونها قيمة إنسانية جامعة، لتتحول إلى أداة انتقائية، تُستخدم حين تفيد وتُدهَس حين تُربك.

ويؤكد أن ادعاء الدفاع عن الديمقراطية لم يعد يحمل أي صدقية، لا داخليًا ولا خارجيًا. فالكلمة، على حد تعبيره، استهلكت إلى حدّ التفريغ الكامل من المعنى. ما يحكم القرار الأميركي اليوم ليس المبادئ، بل شبكة مصالح معقّدة: مصالح سياسية، واقتصادية، وأمنية، داخل الولايات المتحدة وخارجها. هذه المصالح هي التي تحدد متى تُدعَم المظاهرات ومتى تُقمع، ومن يُوصَف بالمناضل ومن يُوصَف بالمخرّب.

و يربط الحافظ بين القمع الداخلي والتخبط الخارجي، مرجحًا أن ما يبدو سياسات متناقضة هو في الحقيقة انعكاس لصراع داخلي عميق داخل الإدارة الأميركية نفسها. فهناك جناح داخل الإدارة يميل إلى الانكفاء، وعدم التورط في حروب ومغامرات خارجية جديدة، إدراكًا لكلفتها السياسية والاقتصادية. في المقابل، لا تزال هناك قوى نافذة من بقايا الدولة العميقة ترى في التدخلات الخارجية وسيلة لإدامة النفوذ الأميركي وحماية مصالح المجمع الصناعي-العسكري.

هذا الصراع الداخلي، وفق الحافظ، لا يبقى محصورًا في السياسة الخارجية، بل ينعكس مباشرة على الداخل الأميركي. فعندما تتصاعد الاحتجاجات الشعبية، كما حدث في ولاية مينيسوتا، تُواجَه بعقلية أمنية وعسكرية، لا بعقلية سياسية أو اجتماعية. وتُختزل القضايا الجوهرية، كالهجرة الشرعية وغير الشرعية، والتمييز، والعنف المؤسسي، في مقاربات قمعية تهدف إلى إسكات الأصوات، لا معالجة الأسباب.

ويضيف الحافظ أن تزامن الاحتجاجات الداخلية مع ملفات خارجية ساخنة - مثل فنزويلا، وإمكانية الانجرار إلى مواجهة مع إيران خلق حالة تلازم خطيرة، جعلت الإدارة الأميركية تتصرف بعصبية سياسية وأمنية مفرطة. هذا التلازم كشف هشاشة الخطاب الأميركي، وأظهر التناقض الفج بين ما يُقال في المحافل الدولية عن حقوق الإنسان، وما يُمارس فعليًا في الشارع الأميركي.

ويخلص الحافظ إلى أن ما نشهده اليوم هو أزمة مصداقية شاملة لإدارة ترامب، بل للنموذج الأميركي الذي طالما قُدِّم باعتباره مرجعًا ديمقراطيًا. فحين تُقمع الاحتجاجات في الداخل وتُغذّى في الخارج وفق معيار المصلحة، يصبح الحديث عن الديمقراطية مجرد غطاء لغوي لا قيمة له. إنها، في نهاية المطاف، سياسة القوّة والمصلحة، حيث يُسمَح بالاحتجاج إذا كان يخدم السلطة، ويُمنَع إذا كان يفضحها.

وبهذا المعنى، فإن التناقض الظاهر في سياسات إدارة ترامب ليس إلا انعكاسًا لصراع داخلي مأزوم، ولسياسة خارجية مرتبكة، ولسقوط أخلاقي مدوٍّ لخطاب طالما ادّعى الدفاع عن الحرية، فيما يمارس نقيضها بلا تردّد.

الكلمات المفتاحية
مشاركة