نقاط على الحروف
فضحت مواقف وزير الخارجية اللبنانية "القواتي" يوسف رجي هشاشة انتمائه الوطني واستخفافه الفاضح بالسيادة اللبنانية، حتّى بات ادعاء الوطنية لديه على شفا جرفٍ، فتصريحاته ومواقفه تفرض سؤالًا مشروعًا ومقلقًا: هل ما نسمعه يصدر عن وزير خارجية لبنان؟ إذ لا يكاد يمر وقت إلا ويتحف اللبنانيين بمواقف بعيدة كلّ البعد عن الأصول الدبلوماسية، ولا توحي بأي حال أنه يمثل دولة لا تزال أرضها محتلة من قبل العدوّ "الإسرائيلي".
منذ تولي "القواتي" يوسف رجي منصب وزير الخارجية، عكست مواقفه نموذجًا صارخًا لثقافة ميليشياوية ترعرع في كنفها ونشأ عليها داخل حزب تلون تاريخه بدماء اللبنانيين الأبرياء وعناصر الجيش اللبناني. حزبٌ حافل بالجرائم، وبإقامة الحواجز والقتل على الهوية، وهي ممارسات امتهن رجي الوقوف عليها في تاريخه الغابر، فضلًا عن تعصب فاضح تجاه شركائهم في الوطن.
وعليه، فإن ما يصدر عن رجي لا يعبّر عن موقف الدولة اللبنانية، بقدر ما يعكس توجهًا شخصيًا وسياسيًا يسيء إلى الدبلوماسية اللبنانية ويضعها في موقع الإرباك داخليًا وخارجيًا.
كأن حزب "القوات" أخذ على عاتقه دور الوكيل المحلي لأعداء لبنان، فراح يعبّر عن مناصرته على لسان وزير الخارجية نفسه. ففي آخر تصريحات يوسف رجي لشبكة "سكاي نيوز عربية"، منح الكيان الصهيوني "الحق" في مواصلة اعتداءاته على السيادة اللبنانية واللبنانيين، مقدمًا له الذرائع والشرعية لتحقيق ما عجز عنه بالقوّة طوال 66 يومًا، ومحرضًا بصورة مباشرة على قتل المدنيين الأبرياء، ومبررًا لمجازره. كلّ ذلك مع تجاهل فاضح لاتفاق وقف إطلاق النار الذي نص صراحة في بنده الثاني على أن "تمتنع "إسرائيل" عن تنفيذ أي عمليات عسكرية هجومية على الأراضي اللبنانية، سواء ضدّ أهداف مدنية أو عسكرية أو أي أهداف أخرى برًا أو بحرًا أو جوًا".
هذه التصريحات المتماهية بالكامل مع السردية "الإسرائيلية"، أثارت استغرابًا واسعًا في مختلف الأوساط اللبنانية والجهات الرسمية، فسارعت إلى إدانتها، وطالبت رئاسة الجمهورية والحكومة ومجلس النواب بالمسارعة إلى تدارك المخاطر التي تسببت بها تصريحات الوزير رجي داخليًا وخارجيًا، محذرة من التقاعس عن مساءلته، لأن أي تبرير لخرق السيادة ستكون له تداعيات خطيرة على لبنان.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ لم يخجل رجي من تاريخه الإجرامي حين أقرّ في إحدى المقابلات التلفزيونية، مع المدعو مارسيل غانم، بأنه حمل السلاح طوال 15 عامًا خلال الحرب الأهلية، متباهيًا بذلك. ولم يخجل أيضًا من تاريخه حين سقط أخلاقيًا بعد "إساءته" لإمرأة أعلنت عن "تحرشه" بها في أثناء قيامه بأعمال السفارة اللبنانية في المغرب قبل أعوام.
وقد لاقت مواقف وزير الخارجية ضدّ حزب الله ترحيبًا صهيونيًا واضحًا، كونها توفر ذرائع جاهزة تستغلها "تل أبيب" لمواصلة عدوانها على لبنان وضرب سلمه الأهلي. ورغم الحقيقة الواضحة بأن الصهاينة استباحوا أرض لبنان وسماءه وأمعنوا في قتل أهله، لا سيما حين تُركت الساحة للدبلوماسية، يتعمّد الوزير تشويه الوقائع الساطعة والتضليل الصريح، زاعمًا أن المقاومة، تشكّل عبئًا على البلد ويجب تسليم سلاحها، في حين تؤكد الوقائع أن المقاومة لا تشكّل عبئًا إلا على "إسرائيل"، وأن أمثال رجي هم العبء الحقيقي على مصالح الوطن وأبنائه.
خطاب رجي دائم التطرّف، يتعمد فيه تصوير المقاومة كعبء على اللبنانيين، ويدّعي عجزها عن حمايتهم، متجاهلًا مرحلة تاريخية مليئة بالمجد والعز، يقر بها حتّى المبعوثون الذين يستدعونه للاجتماع معهم، ويقر بها اللبنانيون جميعًا الذين نعموا بالأمان منذ تموز 2006، وعلى مدى سبعة عشر عامًا لم يتجرأ خلالها "الإسرائيلي" على تنفيذ أي عدوان. لكنّه انتقل اليوم من التحريض على سلاح المقاومة إلى التحريض على بيئتها، داعيًا عمليًا إلى ترك الناس فوق ركام بيوتهم، ومنع إعادة الإعمار، ومجاهرًا من داخل أروقة اللوبي "الإسرائيلي" في الولايات المتحدة بموقف فاضح يرفض أي دعم لعودة الأهالي، في انسجام كامل مع المشروع الصهيو - أميركي، وتعبير صارخ عن فشل حزب "القوات" في أي ممارسة سياسية وطنية سوى لعب دور الأداة الرخيصة التي تصب في خدمة أعداء لبنان.
لقد وضع يوسف رجي نفسه في خانة شبهة سياسية وقانونية خطيرة. فلو كنا في بلد يحترم القواعد القانونية والدستورية، لكان ما عبّر عنه الوزير يقع ضمن خانة جريمة الخيانة العظمى ولكان من الواجب إحالته إلى القضاء، وإسقاط الحصانة عنه، وسحب الثقة منه، حفاظًا على موقعية وزير الخارجية وصورة العمل الدبلوماسي في لبنان. لكن يبقى السؤال المفتوح: هل من يجرؤ على محاسبة وزير خارجية على خيانته لأبناء وطنه؟.