عربي ودولي
كما هو الحال في كل عام، وربما أكثر وأكبر، شارك ملايين العراقيين من أطياف مختلفة من داخل وخارج البلاد، بإحياء ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام)، والتي تصادف في الخامس والعشرين من شهر رجب، وسجلت هذه التظاهرة المليونية التي تأتي بالدرجة الثانية من حيث الكمّ بعد زيارة أربعينية الإمام الحسين عليه السلام، أروع صور الوحدة والتلاحم بين أبناء الشعب العراقي، المتسم بتنوع نسيجه المجتمعي، قوميًا ودينيًا ومذهبيًا وطائفيًا وثقافيًا، مع نجاح واضح وملموس لمجمل الخطط الأمنية والخدمية واللوجيستية التي وضعتها ونفذتها مختلف الأجهزة والمؤسسات الحكومية، بالتعاون والتنسيق مع المواكب والهيئات الحسينية، وإدارات العتبات الدينية المقدسة.
وقد سجلت مراسم إحياء ذكرى استشهاد الإمام الكاظم (ع) هذا العام تميّزًا عن الأعوام السابقة من حيث أعداد الزائرين، وأعداد مواكب الخدمة الحسينية، والإجراءات الأمنية والإدارية واللوجيستية، فضلًا عن الأجواء السياسية والأمنية العامة التي جرت في ظلها الزيارة، علمًا أنه بحسب الجهات الرسمية، بلغ عدد المشاركين في الزيارة نحو خمسة عشر مليون شخص، ولا شك أن هذا رقم كبير جدًا، يحمل بين طياته معانيَ ودلالات مهمة وعميقة للغاية.
ومما لا شك فيه أن هذه المناسبة الأليمة مثلت فرصة مناسبة لتثبيت، وتأكيد جملة حقائق ومعطيات ذات طابع إنساني وسياسي واجتماعي شامل.
فهي أتاحت للملايين من العراقيين على اختلاف انتماءاتهم المذهبية والدينية والسياسية، استذكار فاجعة جسر الأئمة في ذكراها السنوية الحادية والعشرين، والتي ربما كانت الفاجعة الأكبر من بين مئات الفواجع التي حلت بالعراقيين بفعل الإرهاب التكفيري الدموي، حيث تسببت باستشهاد أكثر من ألف شخص، ومثل ذلك العدد أو يفوقه من الجرحى.
والنقطة الأخرى، هي أن ذكرى استشهاد الإمام الكاظم (ع) كشفت بوضوح وجلاء عن عمق التلاحم والتكاتف والتآزر الحقيقي بين أبناء الشعب العراقي وحرصهم على التعبير عن ذلك التلاحم والتكاتف والتآزر بأوضح وأجمل وأصدق صورة.
والنقطة الثالثة، تتمثل بكفاءة وقدرة وفاعلية الأجهزة الأمنية والعسكرية للدولة في الإمساك بزمام الأمور في ظل حشود جماهيرية ضخمة تقاطرت على مرقد الإمامَين موسى الكاظم ومحمد الجواد عليهما السلام من بغداد ومختلف المدن والمحافظات العراقية الأخرى، فضلًا عن القادمين من خارج البلاد.
والملاحظ أن مراسم الزيارة المليونية لم تشهد أية عمليات إرهابية، وهذا ما يوضح نجاح الخطط الأمنية التي وضعت من قبل الجهات المعنية المتمثلة بوزارات الداخلية، والدفاع، وجهاز الأمن الوطني، والحشد الشعبي، وجهاز مكافحة الإرهاب، وقيادة العمليات المشتركة.
وقد بدا واضحًا لعموم الزائرين، الفارق في الإجراءات والخطط الأمنية بين هذا العام والأعوام التي سبقته، وحسن التنظيم والتنسيق.
كذلك، عكست الزيارة، صحة وسلامة وأهمية تفعيل الجهد الجماهيري لمعالجة الأوضاع الأمنية، ومواجهة الإرهاب وبالتالي القضاء عليه، وتعزيز وتدعيم عمل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية بما لا يخل بجوهر وظائف ومهام وصلاحيات تلك المؤسسات، وبما لا يتقاطع مع سياقات وأطر وضوابط وظائفها ومهامها.
وانطلاقًا من ذلك، فإنّ المؤشر الآخر يتمثّل في أهمية وفاعلية الجهد الشعبي العام، وتفاعله وانسجامه مع الجهد الحكومي، ودون شك أن تظاهرة جماهيرية مليونية كبرى، كتلك التي شهدها العراق هذه الأيام، لا يمكن لها أن تنجح دون حضور العنصر الجماهيري - الشعبي، إذ إنه يمثل في بعض جوانبه العمود الفقري لأية خطط أو ترتيبات، وفي جوانب أخرى يعكس انفتاح ومرونة النظام السياسي ومؤسساته ومفاصله المختلفة على مختلف المكونات الاجتماعية التي تشكل أبرز وأهم أدوات الحراك السياسي والمجتمعي العام في البلاد.
وفي حقيقة الأمر، فإن الأجواء والمناخات الإيجابية التي تمت فيها مراسم إحياء ذكرى الإمام الكاظم (ع) عبرت عن وعي جماهيري حقيقي وفهم سليم وصائب للثوابت الوطنية والدينية، وعبرت كذلك عن تمسك العراقيين برموزهم، وحرصهم على المحافظة على تراثهم وإرثهم الديني والثقافي الكبير. وهذا ما انعكس واضحًا من خلال أحاديث الزائرين وحواراتهم، وما أثبتته وأكدته الحقائق والوقائع، وما تضمنته الأرقام والإحصائيات، وما أفصحت عنه الأقوال والشهادات.