خاص العهد
أبو حمدان لـ "العهد": عقد إدارة الخليوي خصخصة مقنّعة تهدّد المال العام
الخليوي بين عقد إدارة وخصخصة مقنّعة
وافق مجلس الوزراء في جلسته أمس الخميس 15/1/2026، على إعداد دفتر شروط لإجراء مناقصة لإدارة وتشغيل شبكتي الخليوي في لبنان، في خطوة عُدت أنها تهدف إلى "استقطاب مستثمرين وتحسين أداء القطاع وزيادة إيراداته"، فيما يبدو أن الصيغة المتداولة لا تبدو عقد إدارة، بل تقاسم إيرادات مقنّع!، بحسب ما لفت رئيس لجنة الإعلام والاتصالات في البرلمان اللبناني النائب الدكتور إبراهيم الموسوي.
وأشار الموسوي إلى أن "ملفًا بهذه الضخامة، لا يجوز الاكتفاء بعبارة "دفتر الشروط سيحسمها""، وقال في بيان "مجلس الوزراء والنواب، أمام قرار سيادي مالي تشغيلي يمسّ المال العام مباشرة، لذلك قبل أي موافقة يجب أن تكون واضحة ومعلنة: قانونية المسار، إطار حوكمة ملزم، نموذج العوائد وشلال الأموال، خط أساس وآلية قياس وتدقيق للقيمة، مصير الأصول والاستثمارات وتوازن المخاطر، ولماذا هذا الخيار أفضل من البدائل".
إذًا، بين توصيفٍ رسمي لعقد إدارة، ومخاوف نيابية من صيغة أقرب إلى تقاسم إيرادات مقنّع، تتبدّى معركة مفاهيم ومعايير حوكمة قبل أن تكون نقاشًا تقنيًا.
وفي هذا السياق، قدّم عضو لجنة الاتصالات النائب رامي أبو حمدان قراءة نقدية شاملة للبند الذي وافق عليه مجلس الوزراء بإعداد دفتر شروط لمناقصة الخليوي، إذ أنّ الطرح بصيغته الحالية ينطوي على مخاطر جدّية تمسّ جوهر إدارة المال العام وحقوق الدولة، وتفتقر إلى الحدّ الأدنى من الوضوح القانوني والمالي.
وأوضح أبو حمدان في تصريح لموقع العهد الإخباري أنّ الإشكالية الأساسية تكمن في أنّ الحكومة وافقت مسبقًا على مسار غير مكتمل المعالم، بحيث يُمنح وزير الاتصالات تفويضًا عامًا لإطلاق المناقصة، على أن تُعدّ الهيئة الناظمة لاحقًا دفتر الشروط، ما يعني عمليًا أن السلطة تُدفع إلى توقيع "تفويض على بياض"، وهو ما سبق أن حذّر منه عدد من النواب، وفي مقدّمهم رئيس لجنة الإعلام والاتصالات النائب إبراهيم الموسوي.
وشدّد على أنّ أي نقاش مسؤول في ملف بهذه الحساسية يجب أن يبدأ من الأسئلة الجوهرية لا من الإجراءات الشكلية، سائلًا: "ما الهدف الحقيقي من هذا العقد؟ ما الحصة الصافية التي ستؤول إلى خزينة الدولة؟ وكيف جرى احتساب هذه الحصة؟ وهل استندت الوزارة إلى دراسات اكتوارية ومالية دقيقة، وبأرقام موثّقة، تبرّر الانتقال من نموذج الإدارة الحالي إلى هذا الخيار تحديدًا؟"
وأشار أبو حمدان إلى تناقض لافت في مقاربة وزارة الاتصالات، إذ إن الخطاب الرسمي خلال الأشهر الماضية كان يؤكّد أنّ إدارة وتشغيل شركتي الخليوي تحسّنا بشكل كبير، وأن القطاع عاد ليشكّل أحد أهم مصادر الإيرادات للدولة اللبنانية، "الدجاجة التي تبيض ذهبًا" كما كان يُوصَف سابقًا، في حين يأتي هذا الطرح ليعكس توجّهًا معاكسًا يوحي كأن الدولة عاجزة عن إدارة قطاع ناجح، ما يطرح علامات استفهام حول الأولويات الحقيقية.
وتوقّف عند ما ورد في البند لجهة تحميل المشغّل أو المدير الفائز بالمناقصة المصاريف التشغيلية والرأسمالية، مبيّنًا أنّ هذا العنوان، على أهميته، يفتقر إلى أي شرح تفصيلي.
وطرح في هذا السياق ثلاثة أسئلة محورية: "هل سيُطلب من المشغّل ضخّ رأسمال تأسيسي خاص؟ أم سيتم تمويل هذه المصاريف من إيرادات القطاع نفسه؟ ومن يقرّر حجم هذه المصاريف وآليات صرفها؟"
وأكد أنّ "غياب الإجابات الواضحة يفتح الباب أمام تحميل المال العام أعباء إضافية، بدل حمايته، ويحوّل "الإدارة" إلى عملية استنزاف مقنّعة لموارد الدولة".
وأضاف أبو حمدان أنّ "الطرح الحالي لا يحدّد بوضوح القاعدة القانونية والمالية التي سيتم اعتمادها في احتساب نسب التقاسم أو التنازل المئوي من الإيرادات، ولا يبيّن شلال الأموال: من أين تأتي الإيرادات، كيف تُجبى، كيف تُصرف، ومن يراقب ويُدقّق؟".
ورأى أنّ هذه الأسس يجب أن تكون محدّدة ومعلنة قبل أي موافقة، لا أن تُرحّل إلى دفتر الشروط، لأن دفتر الشروط يُعالج التفاصيل التنفيذية لا الخيارات السيادية.
وانتقد أبو حمدان ما وصفه بتكريس "ثقافة إضعاف القطاع العام"، مشيرًا إلى أنّ الذهاب نحو شركات خاصة لإدارة مورد سيادي يعطي رسالة سلبية مفادها أنّ الدولة غير قادرة على إدارة مؤسساتها، ما يؤدّي إلى إعدام الكفاءات الموجودة في الإدارة العامة وضرب الثقة بها، بدل العمل على تطويرها وتعزيز الحوكمة داخلها.
كذلك، أعرب عن خشيته من تكرار سيناريوهات سابقة اعتادها اللبنانيون، حيث تُتخذ القرارات الكبرى على عجل، ثم يبدأ البحث لاحقًا عن الأطر القانونية والتنظيمية بعد وقوع الإشكاليات، مستحضرًا تجارب سابقة في قطاع الاتصالات وغيره بدأت من الخطوة الثانية، ثم عادت الدولة لتصحيح الخطوة الأولى بعد فوات الأوان.
وأكد أبو حمدان أنّ لجنة الإعلام والاتصالات لن تسمح بمرور هذا الملف بهذه الطريقة، وستطالب بدراسة شاملة تتناول الأبعاد المالية والاقتصادية والقانونية والإدارية، على أن تُعرض هذه الدراسة بوضوح على اللجان النيابية قبل أي إقرار حكومي.
وأشار إلى أنّ هناك تفاعلًا واعتراضًا متزايدين من نواب ينتمون إلى كتل مختلفة، مبينًا أنّ الاعتراض لا ينطلق من خلفيات سياسية بل من حرص مشترك على حماية أحد أهم موارد الخزينة.
وختم أبو حمدان حديثه لموقعنا بالتأكيد على أنّ ما يجري يثير إشكالية دستورية وقانونية حقيقية، وأن لجنة الاتصالات النيابية ستستخدم كل الأدوات البرلمانية والإعلامية المتاحة لمنع تكريس خصخصة مقنّعة أو تقاسم إيرادات غير مدروس، معلنًا أنّ جلسة قريبة ستُعقد داخل اللجنة لمناقشة الملف بعمق، لأنّ قطاع الخليوي ليس بندًا عاديًا، بل مورد سيادي لا يجوز التعامل معه بعقلية الاستسهال أو الأمر الواقع.