مقالات مختارة
صحيفة البناء - ناصر قنديل
تجميد النسخة الأخيرة من الحرب على إيران، لا يلغي حال العداء رغم كلّ ما تم ترويجه عن بوادر التوصل لاتفاق، وواشنطن تواصل السعي للبحث عن خواصر رخوة إيرانية يمكن الاستثمار عليها ودعم تفجيرها بتدخل عسكري، لكن وفق ضوابط أدى عدم توافرها إلى إلغاء العملية الأخيرة دون إلغاء المشروع، من هذه الضوابط ضمان رد إيراني محدود لا يطيح القواعد والأساطيل الأميركية في المنطقة، وضمان قدرة "إسرائيلية" على تحمل الضربات الإيرانية المؤكدة حتّى لو لم تشارك “إسرائيل” في شن الحرب، وضمان سرعة تنفيذ العملية خلال أيام بما لا يتسبب بأزمة في سوق الطاقة إذا نتج عن الحرب إقفال مضيق هرمز.
هذه المرة لم يكن أي من الضوابط محققًا، وفوق ذلك تسببت فكرة الحرب بخسائر إضافية قبل أن يصرف النظر عنها، نهائيًا أو مؤقتًا، حيث نجحت إيران بتدمير شبكة الضبط والسيطرة التي تعتمد على منظومة اتّصالات ستارلينك، قامت إيران بالتشويش عليها بكفاءة عالية بلغت نسبة الشلل في استخدامها 90%، وساعدت في التعرف على أماكن انتشارها وضبطها مع مستخدميها، بينما نجحت التعبئة السياسية والعقائدية بحشد جموع ضخمة من الناس إلى الشوارع دعمًا للنظام السياسي ما أطفأ شعلة الاحتجاجات التي لم يندمج كثير منها مع أعمال التخريب والاستهداف المقرر على مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن، بحيث بقيت مناطق الغالبية الكردية وحدها مؤهلة لاستضافة العمل العسكري والأمني الذي تصممه واشنطن.
اعتماد الجبهة الكردية المستندة إلى خلفية قوية في كردستان العراق تسبب بحال ذعر في أنقرة، لأن النتيجة الطبيعية لسلخ مناطق الكثافة الكردية عن إيران وفتح جغرافيتها على الجغرافيا الكردية في العراق سوف يُعيد إحياء الكلام عن قيام دولة كردية موحدة بين إيران والعراق وسورية وتركيا، بما يهدّد بجعل الحرب على إيران مشروع استهداف للأمن القومي التركي، وهو تبلغته واشنطن من أنقرة، حتّى أصبح عدم انتقال تركيا إلى دور تعطيل خطة الحرب مشروطًا بضمانات أميركية لا تقتصر على الوعود والبيانات، والمطلوب تركيًا كان واضحًا، رفع الغطاء عن تنظيم قسد والحكومة السورية تتكفّل بهم، أو أن تتولى واشنطن الضغط على قسد جديًا وإفهام قادتها أن المرحلة انتهت وانتهت معها قواعد اللعبة، وأن عليهم تقبل نهاية زمن الدويلة قبل أن يتمّ إنهاؤها بالقوّة، وإلا فإن أنقرة سوف تجرّد حملة عسكرية تدخل فيها بدباباتها ويغطيها طيرانها حتّى يحسم الأمر.
كانت التكلفة عالية على واشنطن، رغم أن أنقرة ودمشق وسعتا إطار مكاسب “إسرائيل” من اتفاق باريس بتثبيت بقاء الاحتلال في جبل الشيخ ومواصلة التعهد بعدم إثارة احتلال الجولان، والتغاضي عن حركة الطيران "الإسرائيلي" في الأجواء السورية ريثما يتم الاتفاق النهائي، لكن واشنطن خسرت قوة قامت بتدريبها وتسليحها وتنظيمها لتكون قوة رديفة لجيوشها، سوف يشعر قادتها وعناصرها وجمهورها أن واشنطن باعتهم بثمن بخس، وأن ليست حليفًا يُعتمد عليه، بحيث لن يفيدها وجودهم داخل المؤسسات العسكرية والأمنية السورية إذا سار الدمج كما يُقال، وهو عملية دونها عقبات كثيرة، لكن قسد بخسارة الرقة والحسكة وآبار النفط وسدود المياه خسرت القيمة الإستراتيجية لوجودها، وتعتبر أنها طُعنت في ظهرها من الأميركي وال"إسرائيلي".
خسارة واشنطن إضافة إلى ما اضطرّت لفعله بقسد، كان ما خسرته مع سقوط منظومة ستارلينك بالضربة القاضية، وهي المعتمدة كمنظومة اتّصالات في حلف الناتو، حيث يعتد على المنظومة في إدارة الكثير من الجماعات المتعاملة مع وكالة المخابرات الأميركية، وتنسيق عمليات التدخل، ومنها ما حدث في فنزويلا، وعقود صاحب الشركة إيلون ماسك مع وزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية بمئات آلاف الأجهزة سنويًا باتت موضع شك الآن بعدما سقط الجهاز في التجربة الإيرانية، وباتت أدوات إسقاطه متاحة لمن يواجهون الأميركي بالاستفادة من الخبرة الإيرانية.
قدّمت تجربة قسد مع الأميركي و"الإسرائيلي" عبرة واضحة حول عمليات البيع والشراء التي يجريها الأميركي و"الإسرائيلي" بحق حلفائه، ولن تكون قسد أهم من أوروبا التي يساوم الأميركي على فروة رأسها، وليست المرة الأولى التي يتحول فيها حلفاء أميركا إلى مجرد كبش فداء يذبح لحماية المصالح الأميركية، وحال الحكومة السورية التي تتباهى بمكانتها عند الحكومة الأميركية ليس أفضل من حال قسد، فقد أكلتم جميعًا يوم أكل الثورة الأبيض، وفي لحظة قادمة سوف يبيع الرئيس الأميركي من يسمّيه الرجل الصلب الذي يثق به والذي يحكم دمشق اليوم، تمامًا كما باعه فروة رأس قسد.