مقالات مختارة
إبراهيم الأمين – صحيفة الأخبار
بعد ستة أيام على اندلاع احتجاجات البازار في العاصمة الإيرانية، تلقت جهات دولية اتّصالات مكثفة من مجموعات كردية إيرانية انفصالية تطلب دعمًا لا يقتصر على الإعلام والدعاية، بل شمل للمرة الأولى لائحة باللوجستيات الأساسية، بما فيها مستشفى ميداني وموارد صحية وإغاثية.
في الوقت نفسه، كانت المناطق الحدودية الغربية لإيران تشهد حراكًا من نوع مختلف، استرعى انتباه الأجهزة الأمنية الإيرانية، التي وجدت نفسها خلال أيام قليلة أمام مشهد لا يشبه أبدًا كلّ مشاهد الاحتجاجات السابقة. وفي ما كان الرئيس مسعود بزكشيان يباشر حوارًا مع ممثلي البازار وعدد من القيادات الطالبية، معلنًا عن حزمة قرارات لدعمهم في مواجهة التضخم، أظهرت التقارير الأمنية خارطة جديدة للاحتجاجات. ومع وصول المصابين إلى المراكز الصحية، أدركت جماعة البازار أن الأمور تجاوزت نطاق تحكّمهم، فأبلغوا السلطات بخروجهم من الشارع وأن لا علاقة لهم بما يجري.
لكن ذلك لم يخفف من التوّتر على الأرض، مع اتباع إستراتيجية جديدة تقوم على العمل ليلًا. ففي ما كانت المدن تشهد نهارًا استقرارًا مع استنفار أمني، كانت ساعات المساء تتطلب نشاطًا أمنيًا مختلفًا، مع انتشار المئات من رجال الشرطة في نقاط معلنة، وعند مداخل الأزقة والمفترقات الرئيسية، مع انتشار عناصر متخفية، مدعومة بقوات احتياطية جاهزة للتدخل.
وعند أي مواجهة، كان عناصر الأمن يطاردون المعتدين على الممتلكات أو من يطلق النار، وتشمل العمليات اعتقال المتورطين ونقلهم عبر شاحنات وسيارات مجهزة مسبقًا.
وترافق ذلك مع نشاط تقني لتعقب المجموعات التي تنشر الصور والفيديوهات على منصات محلية ودولية. وفي النهاية، رأت السلطات أن الحل الأمثل هو قطع شبه كامل لشبكة الانترنت والاتّصالات الهاتفية، بحيث يبقى القادرون على التواصل قلة محدودة حائزة على إذن رسمي، سواء كانوا إعلاميين أو سياسيين أو ديبلوماسيين، أما من تظهر الشاشات نشاطًا له، فهذا يعني أنه يعمل من خارج النظام.
درس حزيران الماضي كان كافيًا ليجعل الإيرانيين أكثر يقظة أمام نشاط أمني خارجي من نوع مختلف. فقد أظهرت التحقيقات وعمليات التمشيط الأمني التي جرت بعد حرب الـ12 يومًا أن الاستخبارات "الإسرائيلية"، على وجه الخصوص، تمتلك قواعد واسعة للعمل داخل إيران، سواء في المدن الكبرى أو، والأهم، في الأطراف.
هذا الواقع دفع السلطات إلى تشديد يقظتها، خصوصًا أن الاحتجاجات العنيفة هذه المرة انطلقت من الريف، لا من قلب المدن. حتّى إن ديبلوماسيًا عربيًا مقيمًا في طهران أفاد بأنه طلب من أفراد عائلته تجنب الخروج إلى المطاعم والمقاهي في شمالي العاصمة، لكنّه لاحظ أن الأمور ليست على النحو الذي كان يقدره.
لم تنتظر السلطات في إيران من يشخّص لها واقع المشهد، إذ جاء جرس الإنذار الأكبر هذه المرة من كرمنشاه حيث تبيّن أن هناك خطةً جرى تفعيلها، تقوم على إطلاق أوسع موجة احتجاجات متزامنة مع تصاعد نشاط مجموعات تعمل وفقًا لبرنامج محدّد. وكشفت المعطيات أن استهداف رجال الأمن والشرطة، وإحراق سيارات الإسعاف والإطفاء، لم يكن يهدف إلى الاشتباك المباشر مع قوات السلطة، بل إحداث مستوى عالٍ من الفوضى يمهّد للخطوة الأخطر: السيطرة على مراكز الإدارة المدنية والأمنية في المحافظة.
وتبيّن لاحقًا أن ما جرى لم يكن سوى جزء من خطة أوسع، اضطرّ دونالد ترامب إلى الكشف عن ملامحها عندما دعا المتظاهرين إلى مواصلة الحراك والاستيلاء على مقارّ السلطة. وحين تحدث عن أن "الدعم في طريقه إليكم"، لم يكن يقصد فقط شنّ حملة قصف ضدّ النظام، بل إدارة عملية عسكرية متكاملة، برية وجوية، تستهدف مراكز القوّة التابعة للسلطات في هذه المحافظة تحديدًا، بما يسهّل على المتمردين السيطرة عليها وشلّ قدرة الدولة على العمل. ويشمل ذلك فرض طوق عسكري جوي يمنع وصول أي إمدادات إلى القوات الرسمية في كرمنشاه.
وفقًا لأكثر من مصدر، اتّخذت السلطات الإيرانية قرارًا فوريًا بمواجهة ما يجري عبر أساليب متعددة. في طهران، تم تكثيف الحوار مع سوق البازار وقيادات معارضة سارعت إلى نفي أي ارتباط لها بالمشروع الخارجي، قبل إعلان انسحابها. وترافق ذلك مع تصريحات وتحذيرات من معارضين إصلاحيين بشأن فخ يهدف إلى زراعة الفوضى في إيران. ومن جهة أخرى، قررت السلطات التعامل بحزم وقوة ضدّ المجموعات المتمردة في المدن والمحافظات.
وكان واضحًا أن نقاط التوّتر القصوى حُصرت، خصوصًا في كرمنشاه ومناطق حدودية أخرى، وتقرّر التعامل معها باعتبار ما يجري تمردًا عسكريًا تقوده دول معادية. ومع ارتفاع أعداد القتلى في صفوف الشرطة وقوات الأمن، شنت السلطات حملة صارمة حدّت من قدرة المواطنين العاديين على النزول إلى الشارع، ما اضطرّ المجموعات المنظمة إلى تعديل إستراتيجياتها، قبل أن ترفع صوتها طلبًا لدعم خارجي عاجل، ما استوجب الموقف الصادر عن الرئيس الأميركي، في ما كان الإسرائيليون يركزون على تفعيل خطط إضافية لإحداث درجة أعلى من الارتباك في مراكز القرار، بالتزامن مع نشاط أمني مكثف هدفه الإحاطة بالاستنفار العسكري الإيراني، خصوصًا في مجال القوّة الصاروخية والقوّة الجوية.
تبيّن سريعًا أن الخطة الأهم كانت تفرض توسيع دائرة التمرد العسكري في كرمنشاه، وأن تأتي المساعدة العسكرية من أميركا و"إسرائيل" لتمكين المجموعات الانفصالية من السيطرة على مراكز الإدارة المدنية والعسكرية، بينما تكون كلّ إيران مشتعلة بالاحتجاجات
مع اشتداد حملة احتواء الاحتجاجات العنيفة في كرمنشاه على وجه الخصوص، كانت السلطات الإيرانية قليلة التسامح تجاه بقية بؤر الاحتجاج في العاصمة والمدن الأخرى. وبعد انتشار أخبار المواجهة المسلحة وسقوط قتلى في صفوف القوى الأمنية، أدرك الشارع أن ما يجري ليس احتجاجًا عاديًا.
وبمعزل عن موقف المواطنين من الاحتجاج الجديد، فقد بادر الإيرانيون إلى خطوات تؤكد للسلطات أنهم ليسوا جزءًا من مؤامرة خارجية، كما أوصلوا رسالة إلى الخارج بعدم استعدادهم لتحمل كلفة إسقاط النظام بطريقة دموية. وقد أتاح هذا التعاون لقوى الأمن خلق مساحات من التنسيق مع المواطنين للإمساك بخيوط اللعبة الأمنية.
ومع الوقت، اتضح أن النشاط الموجّه كان كبيرًا جدًا، مع شبكة واسعة تغطي مناطق متعددة من إيران، واستُخدمت أموال ضخمة لتحفيز الشارع. فتلقى بعض المراهقين مبالغ صغيرة تُراوح بين 3 و5 دولارات لإحراق صور المرشد خامنئي، وحصل رجال كبار السن على مبالغ مماثلة لقلب حاويات النفايات وإشعالها. ولاحظت السلطات أيضًا مشاركة عناصر نسائية في أنشطة دموية، تضمنت إطلاق نار مفاجئ على المحتجين ثمّ التواري في الأزقة، بينما تولت مجموعات أخرى إعداد القنابل الحارقة ورميها نحو المركبات والمتاجر. وعثرت السلطات لاحقًا على كميات ضخمة من الأسلحة، شملت مسدسات وأسلحة صيد، استُخدمت في عمليات استهداف رجال الأمن في الشوارع.
وفي ما كانت إيران معزولة عن العالم، اندلعت معركة أخرى لمواجهة مشروع الانترنت المفتوح. وهي عملية لم تتضح بعد كامل تفاصيلها التقنية، لكنّ ثمة حديثًا عن صعوبات تواجه الأطراف الخارجية في إدخال كميات كبيرة من التقنيات التي تتيح الحصول على الانترنت المجاني، كما يُشير البعض إلى استخدام السلطات لتقنيات خاصة للتشويش على البث القادم من الفضاء، ما دفع قادة التمرد إلى رفع صوتهم أعلى، معتقدين أن تدخلًا عسكريًا أميركيًا سريعًا سيضعف موقف السلطات ويفتح المجال للانتقال إلى خطوات أكبر.
واللافت، كما كُشف لاحقًا، أن الاستخبارات "الإسرائيلية" العاملة داخل إيران، أو من غرف العمليات في مناطق كردستان العراق، أبلغت الجانب الأميركي بأن السلطات الإيرانية تتقدّم بسرعة نحو حسم المواجهة مع المجموعات المسلحة، وأن الاحتجاجات تتراجع تدريجيًا، وصولًا إلى إعلان توقّفها في معظم المناطق.
طبعًا قيل الكثير عن الأسباب التي دفعت الرئيس الأميركي إلى إصدار قرار بمنع توجيه ضربة إلى إيران. لكنّ هناك نقاشًا جديًا ومعطيات بأن الولايات المتحدة لم تكن جاهزة أصلًا لعملية عسكرية واسعة ضدّ إيران، وأن كلّ ما كان مقدرًا هو توجيه ضربات موضعية تخدم المجموعات المتمردة، وتحدث إرباكًا في صفوف السلطات. وإذا كان الإسرائيليون يحرصون على القول إنهم نبّهوا إدارة ترامب إلى ضرورة توفير عناصر استدامة لأي معركة عسكرية، وإن الجهوزية الدفاعية ليست في أعلى درجاتها، فهذا لا يعني أنها الحقيقة. إذ إن التطور الداخلي في إيران أبطل مفعول أي عملية عسكرية هجومية، مع درجة عالية من "اللايقين" إزاء رد فعل إيران على أي هجوم عسكري عليها.
وهو ما جعل الدول العربية نفسها، من السعودية وقطر والإمارات وصولًا إلى تركيا، في حالة قلق كبير، ودفعها إلى التواصل المباشر مع الأميركيين، وعلى أكثر من مستوى، محذرين من أن المواجهة قد لا يمكن ضبط اتساعها أو حجم دائرة النار التي ستخلقها. وعندما طُرح قرار وُصف بأنه الأول من نوعه، تمثّل في إعلان تركيا وقطر والسعودية والإمارات عدم السماح باستخدام قواعدها أو أراضيها أو أجوائها في أي ضربة أميركية ضدّ إيران، فإن هذا القرار - حتّى وإن لم يكن ترامب ملزمًا به سياسيًا - كان تعبيرًا عن موقف حقيقي.
فهذه الدول أدركت أنها ستكون في مرمى الردّ الإيراني المباشر، ومجرد وجود نقاش جدي حول هذه النقطة فرض على الإدارة الأميركية البحث عن بدائل تخدم أي حملة عسكرية محتملة، ولا سيما أن ما كان مطروحًا، بحسب التقدير "الإسرائيلي" نفسه، هو حملة شاملة تستهدف إسقاط النظام الإيراني بالكامل، ما يعني حاجة إلى وقت طويل، وقوة نارية مستدامة، وغطاء إقليمي واسع… وهي شروط لم تكن متوافرة حتّى الأمس القريب.