مقالات
عميد متقاعد في الجيش اللبناني
في الظاهر، لا يبدو أن هناك ارتباطًا بين انسحاب الاميركيين من قاعدة عين الأسد، وبين تمدد سيطرة حكومة الشرع الانتقالية نحو شرق وشمال سوريا وشرقها.
إذ إن الملفين منعزلان عمليًا: الأول يرتبط بخطة أميركية مقررة مبدئيًا منذ ثلاثة سنوات بناء لاتفاق مع الحكومة العراقية، والثاني ظهر فجأة استنادًا إلى تطورات سياسية وعسكرية وأمنية، استجدت بعد التغيير الدراماتيكي للحكم في سوريا. لكن عمليًا، مما لا شك فيه، ومن خلال متابعة دقيقة للتطورات الدراماتيكية التي حصلت مؤخرًا، في المنطقة بشكل عام وفي سوريا بشكل خاص، يمكن إيجاد رابط أساسي وقوي بين الملفين، وذلك على الشكل الآتي:
تشكل قاعدة عين الأسد بالنسبة إلى الحكومة العراقية مبدئيًا وبالنسبة إلى لأميركيين عمليًا، في سيطرتهم عليها من خلال موقعها الجغرافي كونها نقطة وسطية بين بغداد وبين دمشق، نقطة ربط استراتيجية على محور طهران بغداد دمشق بيروت. كانت تعطي للأميركيين، طوال وجودهم فيها، هامش تأثير واسع على هذا المحور الجغرافي، عسكريًا واستعلاميًا، الأمر الذي صَعُب على الأميركيين التخلي عنها بسهولة سابقًا، على الرغم من الضغوط والمطالبات العراقية الملحة.
على جانب آخر، وخلال فترة حكم الرئيس بشار الأسد لسوريا، كان طريق طهران بغداد دمشق بيروت سالكًا وبقوة، أمنيًا وعسكريًا وسياسيًا واستراتيجيًا، الامر الذي ضاعف من حاجة الأميركيين للبقاء في قاعدة عين الأسد، بينما مع سقوط نظام الأسد في دمشق مؤخرًا، هناك عدة تغييرات أساسية فرضت نفسها على الميدان السوري، وخلقت تأثيرات مهمة على الملف الجيوسياسي في المنطقة، يمكن الإضاءة عليها على اشكل الآتي:
1. مع انقطاع الامتداد الجغرافي والاستراتيجي لمحور طهران - بيروت من دمشق، لم يعد هناك حاجة لمراقبة محور طهران بغداد دمشق بيروت من الأنبار في العراق، أو من قاعدة عين الأسد عمليًا.
2. يبدو، أيضًا، أن هذا الدور الذي كانت تؤديه "قسد"، في شرق سوريا، بصفتها راعيًا للمصالح الأميركية- "الإسرائيلية"، تبرع الحكم الانتقالي في سوريا بأن يؤديه تمامًا، مع غطاء طبيعي ومنطقي تحت عنوان بسط سلطة الحكومة السورية على أراضيها كلها.
3. بعد الاتفاق الأمني، والغامض ببنوده حتى الآن، بين كيان الاحتلال "الإسرائيلي" وبين حكومة الشرع الانتقالية، كان لا بد من إرضاء تركيا او إعطائها تعويضًا معينًا، فكان رفع الغطاء الأميركي عن "قسد" وإنهاء فرصتها لقيادة حكم ذاتي كردي في سوريا بابًا لإرضاء وإسكات أنقرة، فاندفعت فجأة وحدات وزارة الدفاع السورية شرقًاـ وسيطرت على مساحات واسعة من شرق وشمال شرق الفرات بسرعة غير متوقعة، في الوقت الذي كان يبدو للمتابعين أنه من شبه المستحيل أن يتخلى الأميركيون بهذا الشكل المفاجىء عن الطرف الذي دعموه واستغلوه طوال مدة حربهم على سوريا.
أمام هذه التطورات كلها المتسارعة في سوريا، لناحية تبدل موقف وموقع وتوجهات الحكم مئة وثمانين درجة، وامام اقتسام "إسرائيل" وتركيا النفوذ الفعلي في سوريا، كان الانسحاب الأميركي من نقاط التأثير العسكري والاستراتيجي في العراق، بشكل عام، ومن قاعدة عين الأسد بشكل خاص.