مقالات
أزاحت مصادر استخباراتية رفيعة الستار عن معطيات تقنية بالغة التعقيد؛ تظهر كيفية إدارة الاحتجاجات الأخيرة في إيران، حيث كشفت التحقيقات المعمقة إن وسم "تحرير الشعب الفارسي"، والذي تصدر منصة "أكس"، لم يكن مجرد حراك عفوي نابع من الداخل، هو في جوهره عملية سيبرانية هجينة خططت لها بدقة أجهزة مخابرات أجنبية وإقليمية.
هذا؛ وبيّنت نتائج تتبع البيانات أن الحملة اعتمدت استراتيجية تزييف الزخم الشعبي؛ بالاعتماد على شبكة تقنية محدودة لا تتجاوز مئة وسبعين حسابًا مركزيًا تولت مهمة إنتاج المحتوى الأولي وتوجيه السردية. في حين تكفلت جيوش إلكترونية من الروبوتات المبرمجة تضخيم هذا المحتوى آليًا ليصل إلى ملايين المستخدمين في العالم، ما أوجد فجوة هائلة ومضللة بين الواقع الميداني الفعلي، وما يروج له في الفضاء الافتراضي الموازي.
اعتمدت هذه الهجمات المنسقة، بشكل أساسي، على أحدث تقنيات الذكاء الصناعي التوليدي لإنشاء الآف الشخصيات الوهمية التي تمتلك سيرًا ذاتية وصورًا رقمية مقنعة للغاية لتجاوز أنظمة الرصد الأمني وفلاتر المنصات الاجتماعية. إذ تعمل هذه الحسابات ضمن شبكات مبرمجة زمنيًا لضمان تصدر الوسوم، في أوقات الذروة، لضمان أعلى معدلات المشاهدة، كما وظفت تلك الأجهزة غرف عمليات لتحليلات المشاعر المتطورة تهدف لتصميم رسائل نفسية تستهدف الثغرات الاقتصادية والضغوط المعيشية. هي تحرض، بشكل مباشر، على الصدام العنيف مع مؤسسات الدولة، فيما يُعرف علميًا بالإغراق المعلوماتي الذي يهدف الى إحداث حالٍ من التيه الوطني وتضليل المواطن العادي، وتعطيل قدرته الفطرية على التمييز بين الحقائق المثبتة والأكاذيب الممنهجة التي تبثها تلك المراكز.
كشف التقرير الاستخباراتي توزيعًا دقيقًا واحترافيًا للأدوار بين وحدات سيبرانية متخصصة مرتبطة بجهاز "الموساد"؛ تولت إنتاج فيديوهات التزييف العميق باستخدام تقنيات بصرية مذهلة لإعطاء انطباع زائف عن حجم الحراك وكثافة الوجود في الميادين. في حين تولت جهات استخباراتية إقليمية أخرى مهمة التمويل المفتوح للحملات الاعلانية الموجهة التي تظهر للمستخدمين قسرًا، حيث تدار هذه العمليات عبر واجهات تجارية وشركات علاقات عامة كبرى، تتخذ من ـوروبا مقرًا لها لشراء حسابات موثّقة بالعلامات الزرقاء لضمان المصداقية وتوظيف خبراء لغويين يتقنون اللهجات المحلية الإيرانية ببراعة لكسر الحاجز الثقافي وبناء جسور ثقة وهمية مع الجمهور المستهدف، وصولاً إلى محاولة يائسة لتحويل المنصات الرقمية من أدوات تواصل إلى غرف عمليات حربية لتوجيه المخربين وتحديد أهداف الهجوم على الأرض.
في المقابل؛ فعّلت السلطات الإيرانية منظومة دفاع سيبرانية شاملة ومتعددة الطبقات؛ نجحت عبرها في تتبع النبضات الرقمية ومصادر الهجمات المنطلقة من مراكز بيانات عملاقة، في "تل أبيب"، وبعض العواصم الإقليمية المتورطة. شملت هذه الإجراءات المضادة تعزيز استقلالية الشبكة الوطنية للمعلومات وتطوير جدران حماية ذكية قادرة على عزل الهجمات المبرمجة.
كما نجحت الأجهزة الأمنية في تفكيك خلايا ميدانية؛ كان عملها يشكّل حلقة وصل لتزويد الخارج بمواد خام وفيديوهات يُتلاعب بها تقنيا قبل إعادة بثها. بالتوازي مع الجهد التقني؛ ركزت الدولة على حملات وطنية لرفع الوعي التقني عند المواطنين لمواجهة أساليب الهندسة الاجتماعية التي تستهدف العقول، ما أدى في نهاية المطاف إلى تراجع حاد في فعالية هذه الحملات الممنهجة وفشل محاولات تحويل المطالب المعيشية المشروعة إلى حالٍ من الفوضى الأمنية الشاملة التي تخدم أجندات القوى الخارجية.
في هذا الاطار الجيوسياسي؛ يشير المحلل الاستراتيجي البارز اليستر كرووك إلى أن قرار تأجيل الضربة العسكرية، والتي كان يخطط لها ضد إيران، لم يكن قرارًا سياسيًا عابرًا، بل فرضته معطيات تقنية ميدانية غيّرت قواعد الاشتباك التقليدية، حيث كان الرهان الغربي والأميركي يرتكز بوضوح على تفعيل منظومة "ستارلينك" للأقمار الصناعية لتأمين اتصالات مشفّرة ومستقلة لإدارة الاحتجاجات وتوجيه العمليات التخريبية بالتزامن مع أي هجوم خارجي محتمل.
إلا أن نجاح طهران التقني المفاجئ في تعطيل هذه المنظومة، داخل أجوائها، واستخدام معدات حرب إلكترونية متطورة جدًا لشل حركة الرادارات ومنظومات التوجيه الدقيقة جعل من أي مغامرة عسكرية أمرًا غير مأمون العواقب وسوداوي النتائج. هذا ما دفع دوائر صنع القرار، في واشنطن و"تل أبيب"، إلى مراجعة حساباتهما الاستراتيجية بدقة خشية رد إيراني واسع ومدمر لا يمكن كبحه، خاصة بعد سقوط الأدوات التقنية التي كان يعول عليها كثيرًا في تحقيق انهيار داخلي يسبق أو يرافق العمل العسكري.
إن هذا الصراع المحتدم، في الفضاء السيبراني، يثبت أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على المواجهات المباشرة، لقد انتقلت إلى ميادين السيطرة على المعلومة وتوجيه الوعي الجمعي عبر الخوارزميات. إذ أصبحت السيادة التقنية وحماية الفضاء الرقمي جزءًا لا يتجزأ من أمن الدول القومي، فالمعركة التي دارت خلف الشاشات كانت لا تقل ضراوة عن أي مواجهة عسكرية.
كما أثبتت فيها القدرات الدفاعية المتطورة قدرتها على إبطال مفعول استراتيجيات القوة الناعمة التي حوّلت إلى أسلحة رقمية فتاكة، ما أعاد رسم موازين القوى في المنطقة بناء على التفوق في مجالات الذكاء الصناعي والحرب الإلكترونية، وأكد أن امتلاك التكنولوجيا المحلية هو الضمانة الوحيدة لمواجهة محاولات الاختراق والهيمنة التي تتخذ من منصات التواصل الاجتماعي ستارًا لها لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية عجزت الجيوش التقليدية عن تحقيقها على أرض الواقع.