خاص العهد
تعيش سورية اليوم واحدة من أكثر مراحلها التباسًا وخطورة، حيث لم تعد الوقائع الميدانية تُقرأ بمعزل عن التفاهمات السياسية الإقليمية والدولية. مصادر سورية متابعة للتطورات الميدانية تؤكد لموقع "العهد" الإخباري أن ما تشهده مناطق شمال وشرق البلاد ليس تطوّرًا مفاجئًا، بل نتيجة مسار طويل من إعادة توزيع الأدوار، كانت السيادة السورية فيه الخاسر الأكبر.
تلفت المصادر إلى أن السردية الشائعة حول معارك واسعة وتحولات عسكرية حاسمة لا تعكس حقيقة ما جرى. فباستثناء مواجهات محدودة ومتفرقة، لم تشهد البلاد عمليات عسكرية تقليدية كبرى، بل عملية تسليم تدريجي للمناطق، أعقبتها إعادة تموضع للقوى الفاعلة، ضمن تفاهمات سياسية سبقت الميدان بزمن.
وفي هذا السياق، ترى المصادر أن الحديث عن تخلّي الولايات المتحدة عن قوات سورية الديمقراطية - قسد لا يمكن فصله عن سياق أشمل. فالقرار الأميركي لم يكن وليد تغيّر تكتيكي مفاجئ، بل جاء نتيجة ضغوط مباشرة مارستها أطراف إقليمية، وفي مقدمتها الكيان "الإسرائيلي"، ضمن مقايضة سياسية واضحة المعالم. واشنطن، التي لطالما تعاملت مع حلفائها كأوراق قابلة للتبديل، اختارت هذه المرة تقليص التزاماتها شرق الفرات مقابل تثبيت مكاسب إستراتيجية في ملفات أخرى، أبرزها ملف الجولان السوري المحتل.
وتكشف المصادر أن مفاوضات غير معلنة جرت في باريس قبل أسابيع، برعاية أميركية وبحضور أطراف إقليمية، بعضها لا يمتّ بصلة إلى التمثيل الشعبي السوري، لكنّها فرضت نفسها كسلطات أمر واقع. وتشير إلى أن تأخير بعض الاجتماعات لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل نتيجة إصرار أطراف تركية على المشاركة في تفاهمات تتعلق باتفاق يُفترض أنه سوري - "إسرائيلي"، في مفارقة تكشف حجم التشابك بين المشاريع الإقليمية المتنافسة على الأرض السورية.
وبحسب المصادر، فإن جوهر الصفقة يتمثّل في معادلة خطيرة: تقليل الدعم الأميركي لقوات "قسد" وفتح المجال أمام تمدّد سلطات إدلب وفصائلها في مناطق من شمال وشرق سورية، مقابل تثبيت واقع الاحتلال في الجولان وإخراجه عمليًا من أيّ مسار تفاوضي جدي في المرحلة المقبلة. هذه المعادلة، وإن لم تُعلن رسميًا، إلّا أن انعكاساتها باتت واضحة على الأرض، سواء من خلال تغيّر خرائط السيطرة أو عبر الصمت الدولي حيال ما يجري.
الأخطر في هذه التطورات، تقول المصادر، هو ما رافقها من إطلاق سراح أعداد كبيرة من عناصر التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها "داعش". فعودة هؤلاء إلى الحركة بحرية، من دون أيّ إطار قانوني أو أمني ضابط، تشكّل تهديدًا مباشرًا للنسيج الاجتماعي السوري بكلّ مكوّناته. ولا تقتصر المخاطر على الأقليات القومية والدينية، بل تطال أيضًا الغالبية السنية التي ترفض الفكر التكفيري، وتجد نفسها اليوم محاصَرة بين فوضى السلاح وهيمنة خطاب الإقصاء.
وترى المصادر أن ما يجري اليوم لا يعني نهاية خطر ""داعش""، بل إعادة تدويره بأدوات جديدة، سواء عبر دمج عناصره في تشكيلات أمنية مستحدثة، أو عبر استخدامه كورقة ضغط إقليمية. هذا الواقع يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز الحدود السورية، إذ تحذّر المصادر من أن العراق ولبنان باتا في مرمى هذا المسار، خصوصًا مع تداول معلومات عن استعداد سلطات الأمر الواقع في إدلب للعب أدوار أمنية وعسكرية تخدم صراعات إقليمية لا علاقة لها بمصالح الشعب السوري.
في موازاة ذلك، تردّ المصادر على الادّعاءات المتداولة حول "استعادة الثروات الوطنية"، مؤكدة أن عقود النفط والغاز وُقّعت مع شركات أميركية وتركية، فيما بات ملف القمح والغذاء خاضعًا لشركات إقليمية ودولية. وبحسب هذه المعطيات، فإن سورية تُدار اليوم ككيان اقتصادي منزوع السيادة، تُوزّع موارده وفق منطق الحصص، فيما يُترك الشعب السوري لمواجهة أزماته المعيشية من دون أي أفق حقيقي للتحسن.
وعن طبيعة السلطة القائمة، تشدد المصادر على أن من يحكم سورية اليوم ليس مكوّنًا اجتماعيًا ولا طائفة بعينها، بل تنظيم أيديولوجي عابر للحدود، لم يقطع صلته الفكرية مع تنظيم "القاعدة". وتلفت إلى أن الجولاني لم يعلن حتّى الآن فكّ بيعته لزعيم تنظيم القاعدة السابق أيمن الظواهري، مبيّنة أن هذا المعطى وحده كفيل بإسقاط أي ادعاءات تتحدث عن أي تحول سياسي أو دولة مدنية.
وتخلص المصادر السورية في حديثها لـ"العهد" إلى أن سورية تمر اليوم بمرحلة هي الأخطر في تاريخها الحديث، ليس فقط بسبب التدخلات الخارجية، بل نتيجة التفكّك الداخلي والتناحر بين أبناء الوطن الواحد. فكلّ صراع جانبي، وكلّ خطاب تحريضي، لا يخدم إلّا الاحتلال "الإسرائيلي"، الذي يراكم مكاسبه بهدوء في ما تتآكل الجغرافيا السورية قطعةً قطعة.
وتؤكد المصادر أن استعادة سورية لا تبدأ من تغيير خرائط السيطرة ولا من تبديل سلطات الأمر الواقع، بل من استعادة الوعي الوطني، ورفض تحويل الأرض والموارد والدم السوري إلى أوراق تفاوض في أسواق السياسة الدولية. فالتاريخ، كما تقول، لن يُحاسب الفاعلين وحدهم، بل سيُحاسب أيضًا كلّ من صفّق وصمت وراهن على وهم الحماية الخارجية، في ما كانت البلاد تُساق نحو واحدة من أكثر لحظاتها قتامة.