مقالات
في لحظات تصاعد التهديد الخارجي ضدّ إيران -خصوصًا حين يدخل المشهد طور الحشد العسكري والتهويل بضربة- ترتفع رهانات بعض المحللين الرغبويين، فيما تتعرض عمليًا قراءات “التغيير من الداخل” لاختبارٍ قاسٍ: هل الشروط الداخلية ناضجة فعلًا لانتقال سياسي؟ أم أن القاعدة الشعبية الواسعة للنظام، والبيئة الأمنية-النفسية التي يفرضها الخطر الخارجي، تعيدان ترتيب المجتمع والنخب بما يوسّع هامش النظام ويضيّق هامش خصومه؟.
ومع ذلك، يمكن محاولة قراءة المشهد المعارض والمعادي بواقعية. فالقاعدة المنهجية هنا بسيطة: الداخل الإيراني ليس كتلة واحدة، و”الضربة” لا تُنتج تلقائيًا بديلًا قادرًا. لذلك يصبح من الأدق تفكيك نقاط ضعف المراهنين على الداخل عندما يتعاظم الخطر الخارجي، بدل افتراض أن الضغط العسكري سيُسرّع الانهيار.
نقاط ضعف المراهنين على الداخل الإيراني في ظل تعاظم الخطر الخارجي:
يخلط المراهنون بين غياب الاحتجاجات وبين وجود استعدادٍ منظم للتغيير. فالواقع أن “انكفاء” التظاهرات الاحتجاجية على خلفية الوضع الاقتصادي، والهدوء الأمني -مع المظاهر التعبوية المؤيدة للنظام- يعكس واقعًا مغايرًا لتقديرات المتربصين بالجمهورية الإسلامية.
عند تصاعد احتمال العدوان، تميل قطاعات واسعة -حتّى من أشد المنتقدين- إلى تقديم أولوية تجنّب الفوضى والدفاع عن السيادة. ذلك أن لحظة التهديد لا تستهدف الحكومة والنظام فحسب، بل الدولة بأكملها، بما فيها المجتمع. وفي هذه المحطة يُفرز المعارضون الوطنيون عن المراهنين على الخارج والعملاء. ونقطة ضعف أعداء إيران تمسكهم بفرضية أن الأزمة الاقتصادية ستتفجر سياسيًا فورًا، بينما الخطر الخارجي يجمّد كثيرًا من طاقة الاحتجاج أو يعيد توجيهها.
إن أقل ما تثبته المسيرات المليونية التي نزلت تأييدًا للنظام هو قدرته على التعبئة في لحظة الخطر، وأنه لا يزال يمتلك أدوات تنظيم وتوجيه للمجال العام. وإذا أُخذ بالحسبان أن مثل هذه المسيرات تكرّرت مرات عدة في لحظات اختبار مفصلية، فإن ذلك يؤكد أنها تعكس أيضًا الشرعية الشعبية للنظام الإسلامي.
يعمل كثير من الإصلاحيين ضمن سقفٍ مؤسسي صلب، ويحرصون على عدم الظهور كامتداد للخارج، ما يجعلهم أقل قابلية للتحول إلى رأس حربة إسقاط في لحظة عدوان.
أما الاحتجاجات العفوية، فبغضّ النظر عن حجمها، فهي قابليات موجودة، لكنّها غالبًا بلا قيادة وبلا “عقد سياسي” واضح.
ومعارضة الخارج، رغم امتلاكها صوتًا إعلاميًا وعلاقات ضغط، تعاني فجوة تمثيل وتنظيم داخل الأرض، إضافةً إلى صراعات قيادة وتشتت أجندات. والنتيجة أن المراهنين يفترضون وجود “عنوان بديل” قادر على التقاط لحظة الارتباك، بينما الواقع أقرب إلى تعدد لاعبين من دون مركز قيادة وطني جامع.
الهتافات الرمزية قد تعبّر عن رفض الواقع، لكنّها لا تساوي برنامج حكم ولا تفويضًا سياسيًا. وفي لحظات الخطر الخارجي يتضخم الدور الإعلامي لبعض الرموز المعادية أكثر بكثير مما يتضخم وزنها التنظيمي داخل إيران.
من آثار العدوان على المعارضة رفع كلفة الانشقاق وتضييق مساحات الحركة.
كذلك يمنح ارتفاع الخطر الخارجي النظام شرعية توسيع أدوات الضبط بذريعة حماية الوجود والاستقلال والأمن. وتصبح معايير التقييم والحكم على مواقف النخب أكثر وضوحًا، ما يضغط على القوى النقدية كي تتراجع خطوة، أو تعمل ببطء شديد، أو تنقسم أكثر.
ثم إن خطأ فهم سقوط الأنظمة يبقى جوهريًا: ضرب “الأشخاص والأصول” لا يكسر “شروط السقوط”. فحتّى اغتيال كبار القادة لا يضمن تغيير النظام، لأن سقوط الأنظمة المتماسكة يحتاج تلاقي شروط:
انقسام حاسم في النخبة + انكفاء شعبي واتساع معارضته + شلل أجهزة السيطرة + بديل داخلي قادر على إدارة الدولة.
وحين لا تتوافر هذه الشروط، يستطيع النظام امتصاص الصدمة عبر سلاسل خلافة وإدارة طوارئ، بينما تستفيد السلطة من مناخ الحرب لتشديد قبضتها.
في ضوء ما تقدم، تصبح لحظة العدوان أقل ملاءمة لانهيار السلطة من الداخل، لا أكثر.
بناءً على ما سبق، فإن مشكلة المراهنين على “التغيير من الداخل” ليست في تشخيصهم لوجود أزمات داخلية حقيقية -فالاقتصاد والتوتّر الاجتماعي عوامل ضاغطة فعلًا- بل في افتراضهم أن تعاظم الخطر الخارجي سيحوّل هذه العوامل تلقائيًا إلى انتقال سياسي. فالواقع أن التهديد الخارجي يعيد ترتيب المجتمع والنخب لصالح النظام: يضيّق هامش الحركة أمام القوى النقدية، ويُظهر حقيقة الصراع وأن الهدف الحقيقي هو الوطن، ويؤجل تفجر الصراع الداخلي بدل تسريعه.
وعليه، يصبح الأكثر اتساقًا القول إن الدعم الخارجي العدواني لا يسرّع تغيير النظام من الداخل، بل يضعف شروطه: لأنه لا يخلق بديلًا داخليًا قادرًا، ولا يضمن انقسامًا حاسمًا في النخبة، وقد يمنح النظام فرصة لإعادة إنتاج نفسه بأدوات أشد صلابة. والأهم أنه يدفع القاعدة الشعبية الصلبة للحضور الفعال في الميدان دفاعًا عن وطنهم وعن نظامهم واستقلالهم.