عين على العدو
رأى المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت" رون بن يشاي أن الطريقة المفاجئة وعديمة الرحمة التي أدار بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ظهره للأكراد في سورية، ومنح الضوء الأخضر لرجال الرئيس أحمد الشرع لغزو إقليمهم الذاتي في شمال شرق البلاد، وارتكاب مجازر بحقهم، تثير قلقًا عميقًا في المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية".
وقال: "ليس فقط لأن ذلك يمثل تخلّيًا غير أخلاقي عن حليف، وليس فقط لأن أمرًا كهذا قد يحدث لـ "إسرائيل" يومًا ما، بل أيضًا لأن قرار هذه الخطوة اتُّخذ في واشنطن نتيجة مباشرة لتأثير حاكم تركيا رجب طيب أردوغان على رئيس الولايات المتحدة. فقد كان توم براك، سفير ترامب في تركيا ومبعوثه الشخصي إلى سورية، هو العرّاب والمنفّذ لهذه الخطوة المخزية".
وبحسب رون بن يشاي، فإنه من منظور "إسرائيلي"، لا تقل أهمية حقيقة أن البيت الأبيض قرر، بالتوازي مع المعارك الدائرة في المنطقة الكردية، سحبَ جميع قواته من سورية في المستقبل القريب جدًا. وهذه ليست المرة الأولى التي يرغب فيها ترامب بسحب قواته من سورية. فقد حدث ذلك أيضًا في ولايته الأولى، وحينها مارست "إسرائيل" نفوذها ومنعت الخطوة جزئيًا.
وتابع: "اليوم لم يبقَ هناك سوى نحو 900 جندي أميركي، وهذه المرة يبدو ترامب مصمّمًا على إعادتهم إلى بلادهم".
ولفت رون بن يشاي إلى أن هذا أحد الموضوعات المركزية التي طُرحت في اللقاء الأخير بين قائد قيادة المنطقة الوسطى الأميركي، الجنرال براد كوبر، وبين رئيس الأركان إيال زمير، موضحًا أن سحب الجنود الأميركيين من سوريا يشكّل محطة بارزة في مسارٍ تعتمد فيه الولايات المتحدة -كسياسة رسمية- تقليص حضورها العسكري في مناطق استراتيجية من الشرق الأوسط.
غير أن القلق في "إسرائيل" يتزايد لأن تقليص القوات الأميركية في المنطقة يقوّض قدرات الردع وحرية العمل الجوي المتاحة لها، وفقًا لرون بن يشاي، والأخطر من ذلك أن الفراغ الذي يخلّفه الانسحاب الأميركي يزعزع الاستقرار الإقليمي، ويهدد من بين أمور أخرى نظام الحكم في الأردن، ويتيح لعناصر معادية لـ "إسرائيل"، من تركيا وصولًا إلى "الميليشيات الشيعية" في العراق، (وفق تعبيره)، الاقتراب من حدودها شرقًا وشمالًا.
ورأى أن تعاظم نفوذ تركيا وقطر داخل البيت الأبيض - وهو ما يقلق صانعي القرار الأمني والسياسي في "إسرائيل" - يعود إلى حوار وثيق ومصالح تجارية مشتركة بين قادة هاتين الدولتين وترامب ومقرّبيه. وهذا النفوذ يُجبر الحكومة والجيش "الإسرائيلي" على ابتلاع ضفادع عديدة يفرضها ترامب عليهم في قضايا أمنية تتعلق بسورية وغزة.
وأوضح رون بن يشاي أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وهو يواصل التعاظم. في هذه المرحلة لا توجد مؤشرات على تحوّله إلى عدو عسكري مباشر، لكن "إسرائيل" تحاول صدّ محاولات تموضعه في سورية وقطاع غزة. أما قطر، فستواصل حرب الوعي والتأثير السياسي التي تُلحق ضررًا بالغًا بصورة "إسرائيل" ومكانتها الدولية، ولا سيما في الولايات المتحدة.
كذلك، شدد على أن المشكلة الأساسية التي تقلق "إسرائيل" حاليًا هي تمدّد تركيا ومحاولات تموضعها العسكري في سورية. النيو-إمبريالية التي تسعى إلى تحويل سورية إلى دولة تابعة أو محمية تخدم مصالح أردوغان، لا تهدف فقط إلى جني أرباح اقتصادية من إعادة الإعمار بأموال سعودية، بل أيضًا إلى منح الجيش التركي قدرة على نشر منظومات رادار، ودفاع جوي، وقواعد أمامية قرب "إسرائيل"، ما يقيّد بشدة حرية عملها الجوي فوق سوريا والعراق.
وأردف أن حرية العمل الجوي هذه هي أحد أهم الأصول الاستراتيجية لـ "إسرائيل" في مواجهة إيران وتهديدات أخرى. عبر أجواء سوريا والعراق تمر المسارات الجوية التي مكّنت طائرات سلاح الجو من العمل بحرية في الحرب مع طهران، في غرب إيران ووسطها وجنوبها. وهذه الحرية ضرورية لمنع تعاظم قوى ونوايا هجومية لعناصر معادية تنشط في سوريا والعراق ولبنان.
وقال: "في مثل هذا الوضع ستواجه "إسرائيل" معضلة استراتيجية قاسية: هل تعمل بقوة ضد محاولات التمركز التركي، حتى بثمن احتكاك عسكري مباشر مع دولة عضو في الناتو وتتمتع بعلاقات وثيقة مع واشنطن، أم تضبط النفس وتسمح بتآكل خطير لأهم أصولها الاستراتيجية؟".
كما أشار رون بن يشاي إلى أن الخشية في المؤسسة الأمنية أن هذا المسار لن يحدث دفعة واحدة، بل تدريجيًا، "تقطير" خطوات تركية صغيرة، كل واحدة منها على حدة لا تبرر ردًا حادًا، لكن تراكمها سيخلق خلال أشهر أو سنوات واقعًا جديدًا تصبح فيه أجواء سورية والعراق غير مفتوحة أمام "إسرائيل". يضاف إلى ذلك أن واشنطن في ظل إدارة ترامب تُبدي استعدادًا أقل بكثير للمواجهات وللاستثمار العسكري في الشرق الأوسط، وتركّز أكثر على الصين، وأوكرانيا، والساحة الداخلية الأميركية. في مثل هذا الواقع قد تجد "إسرائيل" نفسها شبه وحيدة في معركة الحفاظ على حرية عملها الجوي في الشمال.
من هنا، تنبع التوصية المركزية للجهات الأمنية إلى المستوى السياسي: عدم الانتظار حتى يترسّخ الواقع الجديد، بل التحرك فورًا على ثلاثة مسارات، وفقًا لرون بن يشاي:
الأول، المسار السياسي تجاه واشنطن: على نتنياهو أن يفعّل كل نفوذه المباشر على ترامب، وعلى منظمات يهودية أميركية مثل إيباك، القادرة على العمل داخل الكونغرس لخلق توازن مضاد للتأثير القطري–التركي.
المسار الثاني: على الجيش "الإسرائيلي" تعزيز منظومة الدفاع مع سورية والأردن بكل الوسائل.
المسار الثالث: هو تعزيز التحالف مع الإمارات العربية المتحدة، وتوسيع التعاون مع السعودية ودول "سنية" معتدلة أخرى.
وختم: "المهمة الاستراتيجية، وربما الأهم، التي تقف اليوم أمام "إسرائيل" هي إدراك الواقع الجديد الذي يتشكّل شرقًا وشمالًا، والاستعداد له بسرعة وبشكل صحيح".