اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي عارف: إيران لن تكون أبدًا البادئة في الحرب لكن إن فرضت عليها فستدافع بقوة

مقالات

مضيق هرمز في الميزان الإستراتيجي:
مقالات

مضيق هرمز في الميزان الإستراتيجي: "السيادة الذكية" وتحولات معادلة الردع في الخليج

88

يُصنف مضيق هرمز دوليًا كأحد أهم الممرات المائية وأكثرها حيوية في العالم، ليس فقط لكونه شريانًا رئيسيًا يغذي عصب الصناعة العالمي، بل لتحوله في الآونة الأخيرة إلى ساحة صراع إستراتيجي تعيد فيه طهران تعريف مفهوم "السيادة البحرية" وأدوات السيطرة على الممرات الدولية. ففي ظل التجاذب الحاد والحضور العسكري الأميركي والأجنبي المكثف في مياه المنطقة، انتقلت إدارة هذا الممر من الأنماط التقليدية المعتمدة على الوجود الفيزيائي فقط إلى مرحلة "الإشراف الذكي والشامل"، ما وضع الاقتصاد العالمي ومعادلات القوّة أمام واقع أمني وسياسي بالغ التعقيد.

 لم تعد قدرة إيران على التأثير في مضيق هرمز مقتصرة على التلويح بالقدرات العسكرية الكلاسيكية أو التهديد بإغلاقه ميكانيكيًا، بل انتقلت الإستراتيجية الإيرانية إلى مستوى "الرقابة الذكية والسيادة المطلقة". تعتمد آلية الردع الإيرانية اليوم على منظومة إشراف معلوماتي لحظي ثلاثي الأبعاد يغطي المجال الجوي وسطح البحر والأعماق. 

هذا الانتقال نحو الإدارة التقنية الهجينة يعني أن عمليات رصد السفن، وتحديد هويتها، ومنح الإذن بعبور الناقلات والقطع البحرية التي ترفع أعلامًا دولية مختلفة، باتت تحت السيطرة العملياتية الكاملة للجانب الإيراني.

هذه "السيادة التقنية" تمنح طهران قدرة فائقة على رصد التحركات الأميركية والأجنبية بدقة متناهية وبصورة آنية، ما يُلغي عنصر المفاجأة ويجعل أي تحرك معادٍ مكشوفًا في مهده. وفي ظل حالة الاستنفار القصوى التي تعيشها المنطقة، تتجاوز العقيدة العسكرية الإيرانية منطق الدفاع السلبي، فالمعادلة المطروحة اليوم هي أن اندلاع أي مواجهة لن يقابل بالتراجع أو المهادنة، بل سيكون الرد هجوميًا بامتياز وبلا مواربة، حيث تعتبر طهران أن الدفاع عن أمنها يبدأ من العمل الاستباقي في الميدان.

تستمد الإستراتيجية الإيرانية قوتها من "واقع إستراتيجي ثابت" يتمثل في الهشاشة البنيوية لأمن الطاقة العالمي أمام أي اختلال، ولو كان طفيفًا، في مضيق هرمز. فالمضيق الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومترًا، يمثل "عنق الزجاجة" الحقيقي للاقتصاد الدولي حيث يعبر من خلاله يوميًا نحو 21 مليون برميل نفط، ما يمثل حوالي 37% من إجمالي تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم.

تكمن الخطورة في أن أي اضطراب في هذا الممر لن يكون مجرد أزمة إقليمية عابرة بل سيشكّل صدمة عنيفة للسوق العالمية قد تؤدي إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار النفط، مع احتمالية بلوغ حاجز 150 دولارًا للبرميل.

هذا السيناريو يمثل تهديدًا وجوديًا للاستقرار الاقتصادي في الغرب، وتحديدًا للاقتصاد الأميركي البالغ حجمه 25 تريليون دولار لذا تدرك طهران جيدًا أن مضيق هرمز هو "حجر الملك " في شطرنج النفوذ الدولي حيث يمكن لتعطيل هذا الممر أو حتّى التلويح الجدي بذلك أن يشل عصب الصناعة والنمو العالمي ويضع القوى الكبرى أمام خيارات مستحيلة.

في ظل التحشيد العسكري الأميركي والأجنبي المستمر في مياه الخليج، ترسم طهران خطوطًا حمراء واضحة لإدارة قواعد الاشتباك. ورغم تأكيدها على أن دول الجوار هي دول صديقة وشريكة في المنطقة، إلا أن معادلة الردع الإيرانية تفرض تحذيرًا صارمًا وشفافًا وأن أي استخدام للأراضي أو الأجواء أو المياه الإقليمية لهذه الدول كمنطلق لأي عمل عدائي ضدّ إيران، سيؤدي تلقائيًا إلى تغيير تصنيف هذه الدول لتصبح "أطرافًا معادية".

تهدف هذه الرسالة إلى تحييد الجغرافيا الإقليمية ومنع واشنطن من تحويل القواعد المنتشرة في المنطقة إلى منصات هجومية آمنة. وإدراكًا منها لتبعات الصدام الشامل، تؤكد طهران أنها لا تسعى للإضرار بالاقتصاد العالمي أو الملاحة الدولية، لكنّها في المقابل لن تسمح للولايات المتحدة وحلفائها بجني ثمار الاستقرار والرفاهية في وقت يشنون فيه حربًا اقتصادية وأمنية شعواء ضدّها لذا تعمل الجمهورية الإسلامية الإيرانية لإرساء معادلة "الأمن للجميع أو لا أمن لأحد".

إن استقرار منطقة الخليج لم يعد مجرد مطلب اقتصادي بل هو توازن قوى هش تقبض طهران على صاعقه من خلال منظومة السيطرة الذكية على مضيق هرمز. وهذا ما أدركته دول الخليج التي سارعت الى فتح قنوات اتّصال مع الجانب الأميركي لتخفيض التوّتر والتحذير من مخاطر اشتعال النار في هذه المنطقة، فالمواجهة إن بدأت شرارتها لن تظل محصورة في نقاط التماس البحرية، بل ستتحول إلى "نيران شاملة" تحرق المنطقة بأسرها نتيجة شرارة قد تشعلها السياسات الأميركية اتّجاه إيران التي دائمًا ما تلوح بالقدرات العسكرية "غير المعلنة" كأداة مفاجأة تكتيكية، تُضاف إلى حقيقة راسخة بأن أمن الطاقة الدولي بات رهنًا بالقرارات الإستراتيجية التي تُتخذ في غرف عمليات إدارة المضيق مما يجعل من فكرة "الحصار" أو "المواجهة" مغامرة غير مأمونة العواقب على النظام العالمي برمته.

الكلمات المفتاحية
مشاركة