نقاط على الحروف
تشير القراءات السياسية المتعمقة للمشهد اللبناني الراهن إلى وجود محاولات حثيثة من قبل الدوائر الحاكمة لتهيئة الرأي العام المحلي نحو تقبل مسار سياسي جديد، يتسم بالتماشي مع الرغبات والإملاءات الأميركية التي تفرض شروطًا قاسية تحت مسميات الحلول الدبلوماسية، حيث يلاحظ المتابع لسلسلة الخطابات الرسمية الأخيرة نبرة انهزامية تحاول تصوير الانكفاء عن الثوابت الوطنية كأنه مخرج وحيد من الأزمات المتلاحقة. وهذا التوجّه يضعنا أمام استحقاق تاريخي يتطلب استنهاض المسؤوليات الوطنية الكبرى لرفض ارتهان القرار السيادي لمواقع الضعف، والتمسك بدلًا من ذلك بمنطق القوّة والمبادرة الذي يحمي وحدة النسيج اللبناني ويمنع تحويل البلاد إلى مجرد صدى للسياسات الخارجية التي لا تراعي سوى مصالح الاحتلال ومطامعه الإقليمية.
إن الرهان الحقيقي في هذه المرحلة يجب أن يرتكز على القدرات الذاتية الكامنة في الشعب اللبناني وفي طليعته قوى المقاومة، التي لم تكن يومًا مجرد خيار عسكري عابر بل هي نتاج تراكمي من الوعي والفعالية التي أثبتت جدواها في كسر المعادلات العدوانية في كافة المواجهات التاريخية السابقة، ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة لصياغة مقاربة دفاعية وطنية شاملة تتجاوز الصيغ التقليدية الهشة، لتقوم على ركيزة صلبة قوامها التلاحم الوظيفي والميداني بين الجيش اللبناني والمقاومة، فهذا التكامل هو الضمانة الفعلية لردع أي محاولة لاستباحة الأرض أو الحقوق، وهو الكفيل ببناء درع وطني يحمي الكرامة اللبنانية من محاولات الابتزاز السياسي التي تمارسها واشنطن عبر قنواتها المختلفة، بهدف تجريد لبنان من أوراق قوته وإبقائه في حالة من الارتهان الدائم للوصاية الأجنبية.
كما أن التحرر من الوصاية الأميركية لا يعني الانغلاق، بل يعني العودة إلى المرجعية الدولية المنصفة التي تحترم سيادة الدول وترفض شريعة الغاب، إذ إن حصر المرجعية السياسية في يد طرف واحد منحاز بشكل سافر هو انتحار دبلوماسي يفقد لبنان قدرته على المناورة وتحصيل حقوقه، فالدبلوماسية القوية هي التي تستند إلى ميدان قوي وشعب صامد، لا تلك التي تستجدي الحلول من عواصم تضع أمن العدوّ فوق كلّ اعتبار، والسبيل الوحيد لحماية حقوق اللبنانيين في ثرواتهم ومستقبلهم يمر حتمًا عبر تعزيز الجبهة الداخلية ورفض أي تسوية تنتقص من السيادة الوطنية، لأن التاريخ أثبت أن التنازلات المجانية لا تجلب الاستقرار بل تؤدي إلى مزيد من الأطماع والانهيارات المتلاحقة في بنية الدولة وهيبتها.
وفي سياق هذا التحول المنشود، يجب التأكيد على أن حماية الكرامة الوطنية ليست شعارًا يرفع بل هي ممارسة تقتضي التخلي عن الرهانات الخاطئة على الوعود الخارجية التي غالبًا ما تتبخر عند أول مفترق طرق، فالارتهان لمواقع الهزيمة النفسية قبل السياسية هو الخطر الأكبر الذي يهدّد لبنان اليوم، بينما يمثل الرهان على قدرات الشعب اللبناني في الصمود والابداع والرفض وسيلة ضغط حقيقية في أي مفاوضات دولية، حيث إن بناء الدولة القوية يبدأ من استقلالية قرارها وقدرتها على حماية حدودها بقوة سواعد أبنائها، وهذا يتطلب جرأة سياسية لرفض الاملاءات التي تحاول فرض واقع أمني وسياسي جديد يخدم الأجندات الغربية على حساب المصلحة الوطنية العليا للبنان وشعبه الطامح للحرية والسيادة الكاملة.
إن التحديات الراهنة تفرض على جميع القوى الحية في المجتمع اللبناني اليقظة حيال ما يحاك في الغرف المظلمة من صفقات قد ترهن مستقبل البلاد لعقود قادمة، فالحفاظ على السيادة والوحدة الوطنية هو واجب مقدس لا يخضع للمساومات الآنية، والبديل عن الرضوخ هو التمسك بالحقوق المشروعة والاعتماد على النفس وتطوير الإستراتيجيات الدفاعية بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات المعاصرة، ليبقى لبنان وطنًا منيعًا عصيًا على الانكسار ومحافظا على حقوقه في أرضه ومياهه وسمائه، ومتمسكًا بمرجعيته الوطنية الصرفة التي لا تقبل القسمة على اثنين في القضايا الجوهرية التي تمس كرامة الإنسان وحريته فوق ترابه الوطني.
ويظل الوعي الشعبي هو الحصن الأخير الذي تتحطم عليه كافة مشاريع الوصاية والارتهان، فبناء المقاربة الدفاعية الجديدة التي تجمع بين كفاءة الجيش وبسالة المقاومة وتمسك الشعب بأرضه، هي المعادلة الذهبية التي لا يمكن لأي قوة في العالم تجاوزها إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة، والذهاب نحو المرجعية الدولية الحقيقية بدلًا من الرضوخ للإملاءات الأميركية المنفردة هو الخطوة الأولى في رحلة استعادة التوازن الوطني المفقود، بما يضمن بقاء لبنان محصنًا ضدّ التهديدات الخارجية التي تحاول النيل من استقراره ووحدته الوطنية تحت ذرائع واهية لا تخدم سوى مصالح القوى الكبرى وأدواتها في المنطقة.