إيران
اهتمت الصحف الإيرانية الصادرة اليوم السبت 07 شباط 2026 بتحليل الحرب الدفينة المستمرة بين الكيان الصهيوني والجمهورية الإسلامية الإيرانية في ظل المفاوضات التي انطلقت مع الولايات المتحدة الأميركية، ما يستدعي الحذر وإبقاء اليد على الزناد.
معركة السردية بين إيران و"إسرائيل"
وفي هذا الصدد، قالت صحيفة مردم سالاري: "في ظل التطورات المتسارعة التي نشهدها اليوم، شهدت طبيعة الصراعات تحولًا جذريًا. لم تعد الحروب تُخاض في ساحات المعارك العسكرية فحسب، بل باتت معركة صامتة لكنها حاسمة تدور رحاها على مستوى العقل والإدراك والسرد قبل وأثناء هذه المعارك. وتلعب الحرب المعرفية، بوصفها أحد الأبعاد الجديدة للصراعات، دورًا هامًا في تشكيل الرأي العام، وإدارة التصورات، وتوجيه القرارات؛ وهو دور قد تكون آثاره أحيانًا أطول أمدًا من عواقبها على أرض الواقع".
وأضافت: "في هذا السياق، سعى العدو الصهيوني على مدى السنوات الماضية إلى تقديم سردياته بطريقة متواصلة ومنسقة من خلال استخدام آليات اتصال متماسكة. ولا تُعدّ هذه الجهود مجرد استعراض للقوة، بل تُشير إلى اهتمام هذا الفاعل بأهمية الرأي العام والبيئة الإعلامية، لا سيما في المجتمعات الغربية. ويعتمد جهاز الاتصال "الإسرائيلي" على التنسيق بين المؤسسات الرسمية والدبلوماسية والإعلامية، ويُنتج رسائل محددة ومفهومة وقابلة للتنفيذ موجهة لجمهور محدد".
وأوضحت أنه من بين هذه الرسائل، يحتل مفهوم الدعاية مكانة خاصة، إذ يشير مصطلح الدعاية إلى مجموعة الجهود التي تبذلها العلاقات العامة والاتصالات الاستراتيجية "الإسرائيلية" لشرح سياسات العدو الصهيوني وأفعاله وتبريرها وعرض صورة إيجابية عنها. ومن خلال الجمع بين المعلومات الرسمية والرسائل المقنعة والمحتوى العاطفي، تسعى هذه المقاربة إلى إدارة إطار تفسير الأحداث ومنع تكوّن تصورات سلبية. وتركز الدعاية على التحكم في السرد والمعنى في الفضاء الإعلامي بدلًا من السعي لتغيير الواقع على الأرض.
وينشط هذا النمط السردي بشكل خاص في حالات الأزمات، بحسب الصحيفة، ويهدف إلى ترسيخ شرعية الإجراءات وتقليل التكاليف الإدراكية. ومع ذلك، يعتمد هذا النهج بشكل كبير على بيئة إعلامية محددة، ودعم سياسي خارجي، والحاجة إلى إقناع الرأي العام الأجنبي، وبالتالي، فبدلًا من أن يكون دليلًا على تفوق مطلق، فإنه يعكس متطلبات "إسرائيل" البيئية في ظل الظروف المتوترة.
ولفتت إلى أنه من جهة أخرى، انتهجت إيران نهجًا مختلفًا في مواجهة الحرب المعرفية. ويستند سرد إيران بشكل أساسي إلى الهوية والعناصر التاريخية والاجتماعية، وينصب تركيزها بشكل أكبر على ترسيخ المعنى في المجالين المحلي والإقليمي. يرتكز هذا النهج على الخبرة التاريخية، والروابط الثقافية والدينية، وشبكات التحالفات الإقليمية. وتُعدّ الهوية الإسلامية والشيعية، وسردية المقاومة، والذاكرة التاريخية المشتركة، والخبرات المتراكمة في مواجهة ضغوط الإعلام، من بين أهمّ قدرات إيران في هذا المجال.
ورأت أن إيران قد أظهرت في السنوات الأخيرة قدرتها على الحفاظ على التماسك الاجتماعي وإعادة إنتاج سرديات مستدامة في ظلّ الضغوط المعرفية. وهذه القدرة ليست نتاج إجراءات فئوية، بل هي نتاج تراكم تاريخي للمعنى والخبرة ورأس المال الاجتماعي. في الوقت نفسه، لا يكمن التحدي الرئيسي في هذا المجال في نقص القدرات، بل في الحاجة إلى تنظيم أكثر تماسكًا واستهدافًا واستنادًا إلى البيانات لهذه القدرات ضمن إطار صنع سياسات الاتصال.
وفقًا للصحيفة، في ظل الوضع الحساس الراهن، حيث تتسارع وتيرة التطورات الإقليمية والدولية وتتسم بالتعقيد، باتت إدارة الحرب المعرفية ذات أهمية مضاعفة. ففي مثل هذه البيئة، لا يكمن الهدف الرئيسي في تصعيد المواجهات الإدراكية أو تضخيم الطرف الآخر، بل في الحفاظ على الاستقرار النفسي للمجتمع، وتعزيز ثقة الجمهور، ومنع تآكل رأس المال الاجتماعي. ويمكن لصياغة سرديات مسؤولة أن تلعب دورًا هامًا في الحد من المفاهيم الخاطئة وإدارة التوترات.
وأردفت الصحيفة: "تُعدّ الحرب الإدراكية وحرب السرديات، إذا ما فُهمت ووُجّهت بشكل صحيح، إحدى أدوات حماية الأمن القومي. وتمتلك إيران، بالاعتماد على قدراتها الثقافية والاجتماعية والإقليمية، القدرة اللازمة لإدارة هذا المجال. ويمكن لتعزيز التنسيق المؤسسي، ونشر الوعي الإعلامي، والاستخدام الأمثل للقدرات المتاحة، ولا سيما تقريب الروايات الإعلامية الرسمية من الواقع، أن يحوّل هذه القدرة إلى إحدى الركائز الأساسية للاستقرار والردع في ظل الظروف المعقدة الراهنة".
لا يمكن الثقة بأميركا
من جانبها، ذكرت صحيفة كيهان: "إن عودة الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات في عُمان تُعدّ اعترافًا ضمنيًا بفشل استراتيجية الضغط والتهديد؛ مفاوضات بدأت بشروط إيرانية، وذكّرتنا مجددًا بضرورة انعدام الثقة العميق بواشنطن. في مثل هذا السياق، لا معنى للدبلوماسية إلا إذا بقيت اليد على الزناد".
وقالت: "بعد شهور من الضجة الإعلامية، والتصريحات الجوفاء، والحملات الجوية المبالغ فيها في المنطقة، انهارت أخيرًا جدران الوهم التي بناها المسؤولون في واشنطن. إدارة دونالد ترامب، التي ظنت أنها قادرة على إحداث شرخ في إرادة النظام الإسلامي الصلبة بلغتها المبتذلة وحركاتها الاستعراضية، رضخت في النهاية أمام صخرة الوحدة الوطنية المقدسة وقوة القوات المسلحة. إن هبوط طائرة فريق التفاوض الأميركي في مطار مسقط ليس بدافع السعي للسلام، بل هو اعتراف صريح بفشل الاستراتيجية الأميركية. حكومةٌ استنفدت جميع أوراقها، وتلجأ الآن إلى الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى، ربما عبر الوساطة، لإيجاد مخرجٍ كريمٍ من المأزق الذي فرضته على نفسها".
وتابعت: "بالتزامن مع المفاوضات، أصدرت الترويكا الأوروبية بيانات في محاولة للعودة إلى الساحة؛ محاولة يائسة لاستعادة المصداقية التي تضررت بشدة على مر السنين. أوروبا اليوم ليست وسيطًا ولا ضامنًا؛ بل هي فاعل أُقصي من طاولة صنع القرار باتباعها واشنطن". وبحسب الصحيفة، خلال العقدين الماضيين، لم تفِ بأي من التزاماتها وأحرقت رأس مال الثقة عمليًا بتفعيل آلية إعادة فرض العقوبات غير القانونية. أوروبا الرمادية، التي تغرق اليوم في دوامة التدهور الاقتصادي والسياسي، والتي التزمت الصمت إزاء الجرائم في غزة، رسّخت صورة فاعل بلا سيطرة. ليس أمامهم سوى قبول قواعد النظام العالمي الجديد، وإلا سيظل تهميشهم أبديًا.
كذلك، أشارت الصحيفة إلى أن محادثات مسقط أظهرت أنه على الرغم من كل الاحتجاجات، اضطرت الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى قبول إطار إيران (المسألة النووية فقط). ودخلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذه الحملة بقوة وكرامة. ويجب أن يعلم فريق التفاوض أن داعميهم هم صواريخ هزت سفنًا أميركية، ودولة سحقت الفتن الصهيونية الأميركية.
وأردفت: "لم تكن أميركا يومًا ولن تكون جديرة بالثقة؛ لذلك، وبينما تمضي قدمًا في الدبلوماسية لرفع العقوبات، يجب عليها أن تُبقي يدها على الزناد لكي يعلم العدو أن أدنى خطأ سيُنهي وجوده المشؤوم في المنطقة".
انقلاب ترامب في الشوارع
من جانبها، قالت صحيفة وطن أمروز: "كانت أعمال الشغب الإرهابية التي اندلعت في إيران الشهر الماضي ذروة مشروع صممته ونفذته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لزعزعة استقرار البلاد، لا سيما بعد حرب الأيام الاثني عشر. والآن، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتصريحاته الأخيرة، هذه الحقيقة بأوضح صورة ممكنة، معترفًا بأن ما حدث في إيران كان نتيجة مباشرة لأفعال واشنطن".
وأكدت أن هذا الاعتراف يضع حدًا لجميع عمليات الإنكار والتستر التي مارستها الولايات المتحدة بشأن دورها في انعدام الأمن في إيران، لافتة إلى أن ترامب، الذي سبق له أن دعم مثيري الشغب والشبكات الإرهابية الناشطة ضد إيران في مناسبات عديدة، صرّح هذه المرة علنًا بأن الفوضى والاضطرابات في إيران كانت نتاجًا لسياسات الولايات المتحدة.
وبحسب الصحيفة، تُظهر هذه التصريحات أن أعمال الشغب التي اندلعت في كانون الثاني لم تكن حدثًا عفويًا، بل جزءًا من سيناريو مُعدّ في واشنطن، إذ أقرّ ترامب قائلًا: "إن الاضطرابات الأخيرة في إيران هي نتيجة لأفعال واشنطن، وإيران تعيش حالة من الفوضى بسبب أفعال أميركا".
وأشارت الصحيفة إلى أنه خلال هذا المشروع الإرهابي، استشهد أكثر من 2400 من حراس الأمن والمواطنين العاديين على أيدي عصابات مسلحة وجماعات إرهابية. وتُظهر هذه الإحصائيات الأبعاد الحقيقية للجريمة التي ارتُكبت ضد الشعب الإيراني بدعم سياسي وعملياتي من الولايات المتحدة.
وختمت: "كان ضحايا أحداث الأخيرة أناسًا عُزّلًا، لم يرتكبوا أي ذنب سوى عيشهم في بلدٍ كان هدفًا لسيناريو خارجي لزعزعة الاستقرار. تعدّ إراقة الدماء هذه دليلًا قاطعًا على الطبيعة الإرهابية لأحداث الشغب التي وقعت".