عين على العدو
رأت صحيفة "معاريف" الصهيونية أن "البوصلة الأميركية حيال المسألة الإيرانية تتأرجح هذه الأيام بوتيرة غير مسبوقة. ففي وقت قصير، انتقلت واشنطن من خطاب متشدد مفاده أن "الضربة ضدّ إيران مسألة ساعات أو أيام"، إلى خطاب أكثر حذرًا بكثير، يحذّر من أن مواطني الولايات المتحدة سيدفعون ثمنًا اقتصاديًا باهظًا إذا طال أمد الحرب".
وفي مقابلة مع الصحيفة يحلّل الباحث في شؤون الشرق الأوسط والمتخصص في القضية "الإسرائيلية"-الفلسطينية ولبنان موشيه إلعاد، المعضلة الأميركية، والشرخ الداخلي في واشنطن، والضغط الذي تمارسه القدس عشية لقاء دراماتيكي بين رئيس الوزراء ورئيس الولايات المتحدة.
ويقول إلعاد: "البندول الأميركي يتحرك هذه الأيام بوتيرة متسارعة. من وضعٍ كان فيه "الهجوم على إيران مسألة ساعات أو أيام"، إلى وضعٍ يُحذَّر فيه من أن مواطني الولايات المتحدة، "سيدفعون ثمنًا اقتصاديًا باهظًا إذا طال أمد الحرب"، كانت المسافة قصيرة على نحو لافت".
وبحسب إلعاد، يسود الارتباك حتّى داخل معسكر مؤيدي الضربة، بشأن النيات الحقيقية للبيت الأبيض. "أنصار الهجوم في الولايات المتحدة يزعمون أن المحادثات مع الإيرانيين هي، في أفضل الأحوال، جزء من مسار يهدف إلى إضفاء الشرعية على عمل عسكري؛ أي إن ترامب يمكنه أن يقول: "فعلنا كلّ ما بوسعنا، لكن لا يوجد طرف يمكن التفاوض معه". وفي أسوأ الأحوال، يقولون إن الأمر لا يعدو كونه حيلة لصرف الأنظار، تمهيدًا لهجوم تنفذه البحرية الأميركية على منشآت إيرانية".
ويذكّر إلعاد بأنه سبق أن تناول تردّدات الرئيس الأميركي، معتبرًا أنها ناتجة عن ضغوط متعاكسة. ويقول: "في مقال سابق شرحتُ أن ترامب متردّد لأنه عالق بين المطرقة "الإسرائيلية" والسندان العربي-الشرق أوسطي. لكل طرف أنصاره داخل الولايات المتحدة: اليمين الأميركي الداعي إلى إسقاط النظام الإيراني يدعم الموقف "الإسرائيلي"، في حين يسعى ناشطو حركة "ماغا" (أميركا أولًا) إلى إقناع الرئيس بالاكتفاء باتفاق يخدم المصالح الأميركية".
هذا المعسكر، بحسب قوله، يقدّم للرئيس سلسلة من الحجج الثقيلة الوزن. "تركّز الحجج الرئيسية لهؤلاء على أرواح الجنود الأميركيين وعلى الخطر غير المتناسب الذي يرافق أي هجوم. وهم يذكّرون الرئيس بتاريخ الحروب الطويلة في الشرق، من كوريا الجنوبية مرورًا بفيتنام وصولًا إلى العراق وأفغانستان، ويشددون على أنه لا توجد أي "بشرى" في حرب من هذا النوع. فصدمات الماضي راسخة بعمق في الوعي الأميركي، وذاكرة التوابيت التي حملت ضحايا تلك "المغامرة" ما زالت حاضرة حتّى اليوم".
وإلى جانب الاعتبارات التاريخية والسياسية، يحذّر إلعاد من تداعيات ميدانية فورية. فيقول: "خبراء الأمن والإستراتيجية يحذّرون أيضًا من نيات إيرانية لاستهداف قوات أميركية في الشرق الأوسط، ومهاجمة سفن تجارية ومحطات نفط، وافتعال أزمة طاقة عالمية. فأي ارتفاع في أسعار النفط، أو تراجع في الأسواق، أو ضرر يلحق بالأعمال الدولية قد يفضي إلى تكاليف عسكرية باهظة جدًا، ولا سيما إذا طال أمد الحرب. لكن سؤالًا محوريًا يبقى مطروحًا: هل ينبغي للولايات المتحدة أن تدفع هذا الثمن فقط من أجل "مساعدة الإسرائيليين"؟".
وعلى الصعيد الدبلوماسي أيضًا، يقول: "تتعالى أصوات تحذير حادّة.. مراكز أبحاث ودبلوماسيون سابقون حذّروا كذلك من انهيار الدبلوماسية الأميركية. فترامب كان قد بادر بالفعل إلى خطوات اقتصادية (فرض ضرائب مرتفعة على سلع من أوروبا وآسيا) وجغرافية (غرينلاند)، ألحقت ضررًا بالعلاقات مع الدول الأوروبية ومع الأمم المتحدة. إن حربًا ضدّ إيران قد تزيد من تفاقم هذا الضرر، وتثير معارضة شديدة، وتلحق أذى بمكانة الولايات المتحدة كلاعب مركزي في البحث عن حلول دولية. كما ترى الحجج الإستراتيجية أن الفشل في إزالة التهديد الإيراني سيعزّز مناعة إيران الوطنية، ويوحّد دولًا أخرى ضدّ الولايات المتحدة، ويخلق مخاطر بعيدة المدى".
وبحسب إلعاد، يرى مؤيدو الاتفاق أن الدبلوماسية تمثل خيارًا أفضل. "خلاصة موقف أنصار الاتفاق تؤكد أن دبلوماسية منضبطة تتفوق على مغامرة عسكرية غير متوقعة. فالاتفاق النووي الخاضع لرقابة دولية يتيح للولايات المتحدة رسم حدود واضحة، ومراقبة إيران، وكسب وقت حاسم لتعزيز التحالفات والتخطيط الإستراتيجي. وهم يحذّرون من أن أي ضربة قد توحّد الإيرانيين حول النظام، وتسرّع البرنامج النووي، وتفضي إلى تورط طويل الأمد ومكلف وخطِر في الشرق الأوسط، وهو خطر ليست الدولة مستعدة لتحمّله. ومن وجهة نظرهم، فإن الاتفاق أداة إدارة واقعية وذكية للواقع، وليس دليلًا على ضعف أميركي".