اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بالصور| حفل افتتاح مركز لبنان الطبي - الحدت

مقالات

مقالات

"محور إبستين".. لماذا يراهن بعض اللبنانيين على الهيمنة الأميركية رغم سقوط الأقنعة؟

184

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

في كلّ مرة تتكشف فيها فضيحة أخلاقية أو سياسية تهزّ صورة القوّة الأميركية في العالم، يُفترض أن تتزعزع ثقة حلفائها التقليديين أو بالأحرى أذنابها، أو على الأقل أن يُعاد النظر في خطاب التبجيل الأعمى لها. غير أنّ المشهد اللبناني يقدّم مفارقة لافتة: فئة واسعة لا تزال تُدافع عن السياسات الأميركية، وتبرّر تدخلاتها، بل وتهاجم كلّ صوت ناقد لها، حتّى بعد ما أُثير عالميًا من ملفات صادمة، أبرزها فضائح جيفري إبستين وما رافقها من شبهات حول شبكات نفوذ وفساد أخلاقي وسياسي وهوس إجرامي عابر للحدود. هنا يبرز توصيف ساخر، أو صادم، يمكن تسميته "محور إبستين"، تعبيرًا عن حالة سياسية ونفسية تتجاوز حدود التحالف التقليدي إلى ما يشبه التماهي الكامل مع مركز القوّة.

لكن لماذا يستمر هذا التأييد؟ وما الدوافع التي تجعل بعض النخب والجماعات اللبنانية تتمسك برواية التفوق الأميركي رغم كلّ ما يتكشف من تناقضات؟

أولًا: عقدة الحماية والبحث عن المظلّة:

منذ نهاية الحرب الأهلية، نشأت لدى شرائح سياسية لبنانية قناعة بأن الاستقرار لا يتحقق إلا عبر مظلة دولية، وغالبًا ما تُترجم هذه المظلّة بالولايات المتحدة. هذه الذهنية تجعل أي انتقاد لواشنطن يُنظر إليه كتهديد مباشر للأمن أو للاقتصاد، لا كموقف سياسي قابل للنقاش.

ثانيًا: المصالح الاقتصادية والارتباطات البنيوية:

هناك شبكة واسعة من المصالح المالية، والمنح، والبرامج، والعلاقات مع مؤسسات غربية ومنظمات دولية تحت مسمى منظمات إنسانية، ما يخلق طبقة مستفيدة ترى في استمرار التحالف ضمانة لمواقعها ونفوذها. هذه المصالح غالبًا ما تتغلب على الاعتبارات الأخلاقية أو النقدية، فتُهمّش أي نقاش حول ازدواجية المعايير أو الفضائح.

ثالثًا: صناعة الخطاب الإعلامي:

تلعب بعض المنصات الإعلامية دورًا أساسيًا في إعادة إنتاج سردية التفوق الأميركي بوصفه الخيار الوحيد، وتُقدّم الانتقادات كدعاية مضادة أو كجزء من محاور معادية. في هذا السياق، تتحوّل فضائح بحجم قضية إبستين إلى خبر عابر، لا إلى مدخل لمراجعة أعمق لطبيعة النفوذ العالمي وشبكات القوّة. فلم نرَ أي انتقاد أو أي تغطية لهذه الفضائح التي من المفترض أن تقوم الدنيا ولا تقعد لما فيها من هوس إجرامي وتأكيد أكل لحوم البشر، كما تمت تغطية أخبار سجن صيدنايا المزعوم وقضية مهسا أميني التي ملأت الدنيا ضجيجًا. 
 
رابعًا: الانقسام الداخلي اللبناني:

في بلد يقوم توازنه على الاستقطاب الحاد، كثيرًا ما يُحدَّد الموقف من واشنطن لا انطلاقًا من تقييم موضوعي، بل كرد فعل على خصوم الداخل. فإذا انتقد طرفٌ ما السياسة الأميركية، يسارع الطرف المقابل إلى الدفاع عنها، لا حبًا بها بقدر ما هو نكايةً بخصمه.

خامسًا: وهم الواقعية السياسية:

يرى بعض المؤيدين أن السياسة ليست مجالًا للأخلاق، وأن الدول تُقاس بقدرتها على فرض مصالحها لا بنزاهتها. وفق هذا المنطق، تصبح فضائح مثل إبستين مجرد تفاصيل لا تؤثر في ميزان القوّة، وبالتالي لا تستدعي تغييرًا في التموضع السياسي.

سادسًا: انقلاب المفاهيم وتبديل القاموس السياسي: 

ولعلّ أخطر ما يرافق هذا المحور "محور إبستين"، ليس فقط انحيازه السياسي، بل مساهمته الواعية أو غير الواعية في انقلاب المفاهيم وتبديل القاموس الأخلاقي، فتصبح المقاومة، حين لا توافق ميزان القوى الدولي، (إرهابًا) يُجرَّم ويُلاحَق، بينما يُسوَّق الحياد المجرّد من الكرامة والسيادة على أنّه (حبّ للحياة) ورفضٌ للموت، لا خيارًا سياسيًا قابلًا للنقد. وفي المقابل، تُغسَل صور الإجرام والمجازر تحت لافتة (حق الدفاع عن النفس)، حتّى تُمحى الحدود بين الضحية والجلاد، ويُختزل الألم الإنساني بلغة المصالح الباردة. هكذا لا يقتصر النفوذ على القرار السياسي فحسب، بل يمتدّ إلى الوعي الجمعي، حيث يُعاد تعريف الكلمات ذاتها، فتفقد معانيها الأصلية، ويتحوّل الرأي العام إلى أسير خطابٍ يبدّل الحقائق بمجرد تبديل المصطلحات.

غير أنّ استمرار هذا النهج يطرح أسئلة جوهرية حول استقلالية القرار اللبناني، وحول قدرة المجتمع على الفصل بين الواقعية السياسية والتبعية العمياء. فالدفاع عن دولة ما لا يعني التغاضي عن أخطائها، كما أنّ نقدها لا يساوي الارتماء في أحضان خصومها.

إنّ لبنان، الذي دفع أثمانًا باهظة نتيجة الارتهان لمحاور الخارج، يحتاج اليوم إلى خطاب جديد يوازن بين المصالح والسيادة، وبين "البراغماتية" والكرامة الوطنية. فالعالم يتغير، والفضائح تكشف هشاشة الصورة المثالية لأي قوة عظمى، ومن الحكمة أن يبني اللبنانيون مواقفهم على قراءة نقدية مستقلة، لا على انبهار دائم أو عداء أعمى.

وفي النهاية، قد يكون أخطر ما في "محور إبستين" بوصفه استعارة سياسية، ليس في ولائه لواشنطن بحد ذاته، بل في إصراره على إنكار التعقيد، ورفضه الاعتراف بأن القوّة، مهما عظمت، تبقى محكومة بعيوب البشر وتناقضات المصالح. هنا تبدأ المراجعة، وهنا فقط يمكن للبنان أن يستعيد توازنه بين العالم ونفسه.

فلنسمِّ كلّ من يعادي المقاومة في لبنان ولا زال منبهرًا بالبلطجة العالمية: "محور إبستين".

الكلمات المفتاحية
مشاركة