مقالات
كاتب صحفي فلسطيني
بكالوريوس في الصحافة والإعلام
دكتوراه في الحقوق
ليست المفاوضات بين واشنطن وطهران مجرّد مسار دبلوماسي تقني يُقاس بنجاح جولة أو فشل أخرى، بل هي مرآة لصراع أعمق يدور حول تعريف السيادة، وحدود القوّة، ومعنى الردع، ومكانة القانون الدولي في عالم تحكمه موازين القوّة لا نصوص المعاهدات. فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل تنجح مفاوضات مسقط أو تفشل؟ بل: أي نظام إقليمي يُراد تكريسه في "الشرق الأوسط"؟ ومن يملك حق تحديد قواعده؟
من هذه الزاوية، يصبح احتمال فشل المفاوضات ليس طارئًا، بل خيارًا مطروحًا في حسابات بعض الأطراف، تمامًا كما أن شبح الحرب ليس نتيجة سوء تفاهم، بل أداة ضغط قائمة بذاتها، تُستخدم لتحسين شروط التفاوض أو لإفشاله بالكامل إذا لم يؤدِّ إلى النتائج المطلوبة.
أولًا: المفاوضات كمساحة صراع لا كمساحة حل
من الخطأ قراءة المفاوضات الأميركية-الإيرانية بوصفها محاولة صادقة ومتوازنة لحل أزمة، فالتجربة الممتدة منذ الاتفاق النووي عام 2015، ثمّ الانسحاب الأميركي الأحادي عام 2018، أثبتت أن واشنطن لا تتعامل مع التفاوض كالتزام قانوني طويل الأمد، بل كأداة ظرفية تُستخدم ما دامت تخدم أهدافها الإستراتيجية.
إيران، في المقابل، تدخل أي مسار تفاوضي وهي مدركة أن الطرف الآخر لا يبحث عن "تسوية عادلة"، بل عن إعادة هندسة السلوك الإيراني، داخليًا وإقليميًا. لذلك تصرّ طهران على حصر التفاوض بالبرنامج النووي، وترفض إدخال برنامجها الصاروخي أو تحالفاتها الإقليمية، ليس تعنتًا بقدر ما هو دفاع عن جوهر السيادة.
هنا تتقاطع المعضلة الأساسية: واشنطن، وتحت ضغط "إسرائيل"، تريد اتفاقًا يعيد إيران إلى موقع الدولة المنضبطة إستراتيجيًا، فيما ترى طهران أن أي اتفاق ينتقص من عناصر قوتها هو وصفة مستقبلية لإخضاعها أو استهدافها لاحقًا.
ثانيًا: الحقوق الإيرانية بين القانون والسياسة
تستند السردية الإيرانية إلى أساس قانوني واضح: معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، التي تضمن للدول الموقعة حق تطوير الطاقة النووية لأغراض سلمية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم. هذا الحق، من منظور طهران، ليس منّة دولية، بل التزام قانوني لا يجوز مصادرته بالضغوط أو العقوبات.
لكن الإشكالية لا تكمن في النصوص، بل في السياسة. فالقانون الدولي، حين يصطدم بإرادة القوّة، غالبًا ما يتحول إلى أداة انتقائية. يُسمح لدول بامتلاك ترسانات نووية كاملة خارج أي رقابة، فيما تُطالب إيران بتصفير برنامجها، لا لشيء إلا لأنها دولة خارج منظومة الهيمنة الغربية.
البرنامج الصاروخي الإيراني يدخل في السياق نفسه. فإيران، التي حُرمت لعقود من تحديث سلاحها الجوي بسبب العقوبات، تعتبر الصواريخ الباليستية أداة الردع الوحيدة المتاحة. المطالبة بتفكيكها، في نظر طهران، ليست إجراءً أمنيًا، بل محاولة لتجريدها من حق الدفاع عن النفس، وتحويلها إلى دولة مكشوفة إستراتيجيًا.
ثالثًا: التعنت "الإسرائيلي"… من الأمن إلى الهيمنة
في قلب الأزمة يقف الموقف "الإسرائيلي" بوصفه العامل الأكثر تشددًا، والأقل قابلية للتسوية. "إسرائيل" لا تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديدًا تقنيًا يمكن احتواؤه، بل باعتباره تحديًا إستراتيجيًا لاحتكارها التفوق العسكري في المنطقة.
من هنا تأتي الشروط "الإسرائيلية" التعجيزية: تصفير التخصيب، تفكيك البرنامج الصاروخي، قطع العلاقات مع حلفاء الإقليم. هذه الشروط لا تهدف إلى منع سلاح نووي، بل إلى إعادة تشكيل إيران كدولة منزوعة التأثير، وهو أمر تدرك واشنطن استحالته، لكنّها تستخدمه كورقة ضغط تفاوضي.
الأخطر في الموقف "الإسرائيلي" أنه لا يكتفي بإفشال أي اتفاق "غير مثالي"، بل يسعى لتوريط الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية مباشرة، تُنقل فيها كلفة الحرب من "تل أبيب" إلى واشنطن، تحت شعار "الدفاع عن الأمن الإسرائيلي".
رابعًا: الضمانات الأميركية… أزمة الثقة المزمنة
حتّى لو افترضنا وجود استعداد أميركي للتوصل إلى اتفاق، تبقى معضلة الضمانات قائمة. إيران لا تطلب وعودًا شفوية، بل ضمانات مؤسسية تحول دون تكرار سيناريو الانسحاب الأحادي. لكن النظام السياسي الأميركي، بطبيعته المتقلبة بين إدارات متناقضة، عاجز عن تقديم مثل هذه الضمانات.
من وجهة نظر طهران، ما قيمة اتفاق يمكن لرئيس أميركي واحد أن يمزقه بقرار سياسي؟ وما جدوى التنازل الإستراتيجي إذا كان المقابل هشًا وقابلًا للانهيار مع أي تغيير في البيت الأبيض؟
هذه الفجوة في الثقة تجعل أي اتفاق محتمل مؤقتًا بطبيعته، وتدفع إيران إلى التمسك بأوراق القوّة كشبكة أمان في حال الانقلاب على التفاهمات.
خامسًا: غياب الدور الدولي وتحلل المرجعيات
يزيد المشهد تعقيدًا ضعف الدور الدولي، لا سيما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. بعد الضربات العسكرية التي طالت إيران في 2025، بدا النظام الدولي عاجزًا عن فرض أي مساءلة حقيقية، ما عزز القناعة الإيرانية بأن "الشرعية الدولية" تعمل بانتقائية فاضحة.
في هذا السياق، تصبح الوساطات الإقليمية - من عُمان إلى قطر وتركيا - مجرد محاولات لاحتواء الانفجار، لا لمعالجة جذور الأزمة. فغياب مرجعية دولية ضامنة يجعل أي تفاوض هشًا، وأي تصعيد قابلًا للانفلات.
سادسًا: فشل المفاوضات… خيار محسوب؟
في ضوء كلّ ما سبق، لا يبدو فشل المفاوضات احتمالًا بعيدًا. بل يمكن القول إن بعض الأطراف، خصوصًا في "تل أبيب"، تراهن عليه. فتعجيز إيران تفاوضيًا، ثمّ تحميلها مسؤولية الفشل، يفتح الباب أمام تبرير التصعيد العسكري، ويعيد إنتاج سردية "الخطر الإيراني" كتهديد وجودي.
إيران، من جهتها، تدرك هذا الفخ، ولذلك تحرص على الظهور بمظهر الطرف المرن دون التفريط بالثوابت. لكنّها في الوقت نفسه مستعدة لسيناريو الانهيار، وتتعامل مع التفاوض كمسار موازٍ، لا بديلًا عن تعزيز الردع.
كذلك الحديث عن المفاوضات لا يلغي حقيقة أن خيار الحرب لا يزال حاضرًا. "حرب الاثني عشر يومًا" في 2025، والضربات الأميركية المباشرة، شكّلت سابقة خطيرة كسرت محظورات قديمة. صحيح أن منسوب التصعيد انخفض، لكن البنية التي أنتجته لا تزال قائمة.
الطرح الأميركي القائم على "السلام بالقوّة" يقابله طرح إيراني يعتبر "القوّة ضمانة للسلام". هذا التناقض الجوهري يجعل أي خطأ في الحسابات، أو أي استفزاز محسوب، قابلًا للتحول إلى مواجهة واسعة، حتّى لو لم يكن ذلك مصلحة مباشرة لواشنطن.
سابعًا: من المستفيد من الانفجار؟
في ميزان المصالح، لا تبدو الحرب خيارًا مفضلًا لمعظم الأطراف الدولية أو الإقليمية، باستثناء "إسرائيل" واللوبي الداعم لها. فواشنطن تعرف أن مواجهة شاملة مع إيران ستكلفها اقتصاديًا وعسكريًا، وستفتح جبهات متعددة من الخليج إلى شرق المتوسط.
أما إيران، فرغم استعدادها للمواجهة، تدرك أن الحرب ستفرض أثمانًا داخلية واقتصادية باهظة. لذلك يبقى المشهد معلقًا بين تصعيد مضبوط وتفاوض متعثر، في انتظار لحظة ترجيح.
في النهاية؛ هناك أزمة تعريف السيادة في جوهرها، الأزمة بين إيران والولايات المتحدة و"إسرائيل" ليست أزمة أجهزة طرد مركزي أو نسب تخصيب، بل أزمة تعريف: ماذا تعني السيادة في نظام دولي غير متكافئ؟ هل هي حق قانوني متساوٍ، أم امتياز تمنحه القوّة لمن تشاء؟
ما لم يُحسم هذا السؤال، ستبقى المفاوضات تدور في حلقة مفرغة، وسيظل شبح الحرب حاضرًا كأداة ضغط. بين الحقوق الإيرانية والتعنت "الأميركي-الإسرائيلي"، تقف المنطقة على حافة مفترق تاريخي: إما تسوية تعترف بالتوازنات الجديدة، أو انفجار يؤكد مرة أخرى أن منطق القوّة ما زال الحاكم الفعلي للنظام الدولي.