مقالات
كاتب من مصر
تبدو ليبيا الممزقة نموذجًا صارخًا لعواقب انصياع القوى السياسية الداخلية للخارج وارتهان واستقواء كلّ منها بجهة خارجية طمعًا في السلطة وبعيدًا عن أي مشروع وطني جامع أو قضية كبرى، وهو ما أدى بدوره لسنوات من عدم الاستقرار وضياع الموارد والثروات وتحولها لمطمع إقليمي ودولي وساحة لتصفية الحسابات والحروب بالوكالة.
ونظرًا لأهمية ليبيا من حيث الموقع والثروات، فقد تداخلت بها الصراعات الإقليمية والدولية، وتخطت المطامع بها ما هو معهود من مطامع جيوسياسية، لتصل إلى نطاق المطامع الجيوستراتيجية، وهو ما يؤشر لنذر استمرارية الفوضى لزمن طويل بسبب الوضع المتأزم للصراع الدولي والانقلاب الأميركي على النظام العالمي وفرض التوازنات بالقوّة، وهو ما يجعل الصراعات الجزئية أكثر حدة واحتدامًا.
وقد شهدت ليبيا في الأسابيع الأخيرة عدة أحداث لافتة وكاشفة لاحتدام الصراع وتصفية الحسابات عبر جرائم اغتيال وتصفيات، مثل سقوط طائرة رئيس الأركان الليبي وعدد من كبار القادة العسكريين برفقته في تركيا، ومؤخرًا اغتيال سيف الإسلام القذافي.
وتزامن ذلك مع المستجدات الدولية والإقليمية لا سيما المتعلّقة بالصراع على النفط والطاقة، والبلطجة الأميركية في فنزويلا، وكذلك دعم وتمكين النظام الجديد في سورية برضا وتوظيف أميركا التي دعمت نفوذ تركيا وأجندتها في سورية، وتشكيل مجلس احتلال غزّة تحت مسمى "مجلس السلام"، والخلاف الذي بدا بين المشروعين الإماراتي والسعودي في الملفات المختلفة بالمنطقة، ومؤخرًا جولة أردوغان التي شملت زيارة السعودية ومصر وسط أجواء التهديدات المتزايدة لإيران ونذر الحرب الإقليمية المحتملة.
وهنا نحن بحاجة لبعض الإضاءات على الوضع في ليبيا ومحاولة فهم ما يحدث بالمنطقة، وذلك عبر عدة عناوين مختصرة:
1 - أطراف الصراع وتداخل الإستراتيجيات:
هناك عدة مستويات من الصراع على ليبيا منذ سقوط نظام القذافي، عبرت عن نفسها بولاءات الميليشيات المسلحة ومحاولات تشكيل الحكومات المختلفة وأدت في النهاية لتمزيق ليبيا شرقًا وغربًا، وتقسيمات حتّى داخل الشرق الليبي وغربه.
وهذه المستويات لا تنفصل عن الصراع الدولي بين أميركا من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى:
أولًا: أميركا: حيث ترغب أميركا بالأساس في حرمان خصومها من الانتفاع بالمميزات الإستراتيجية في ليبيا، إما عبر الفوضى الدائمة والتناحر، وإما عبر حكومة تكن بالولاء لأميركا وتتوافق مع أجندتها الدولية والإقليمية، وهو ما يفسر عدم الانخراط الأميركي المباشر، وما يبدو أنه ابتعاد عن الإشراف المباشر على الملف رغم مراقبتها للاعبين المختلفين ووجود مندوبين لمصالحها داخل المعسكرات المتصارعة، سواء الإمارات شرقًا، أو تركيا غربًا.
ثانيًا: روسيا: بعد أن فقدت روسيا حليفًا كبيرًا بسقوط نظام القذافي وفقدت على أثره مزايا اقتصادية كبرى، لم تترك روسيا الساحة الليبية، حيث تدخلت عبر عدة مستويات سياسية وعسكرية، وازداد الانخراط الروسي بعد تدهور الأوضاع في سورية وسقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وما بدا تهديدًا لقاعدة حميميم، حيث تحاول توفير رديف لهذا التواجد على البحر المتوسط في مناطق شرق ليبيا في سرت أو طبرق، وهو ما يفسر دعمها للجنرال خليفة حفتر وما رشح من مساهمة قوات "فاغنر" في الحرب الأهلية مع الغرب الليبي.
والخلاصة أن روسيا تريد الحفاظ على حد أدنى من النفوذ إما بوجود حكومة لا تنتمي بالكامل إلى تركيا أو البديل وهو إبقاء الوضع الفوضوي لإبقاء النفوذ في الشرق الليبي وعدم الطرد الكامل لروسيا من ليبيا.
ثالثًا: تركيا: بمشروعها التوسعي عبر جماعات الإخوان دخلت على خط الصراع في ليبيا بتواجد عسكري علني وساهمت في تمكين حكومات تابعة لها في الغرب وإجهاض سيطرة حفتر على ليبيا، والهدف الرئيسي هو التواجد بمشروعات الطاقة على المتوسط بعد استبعادها من خطوط شرق المتوسط، وتريد تركيا المعادية لليونان عدم ترك هذه المشروعات بعيدًا عن نفوذها ومشاركتها، كما لها مصالح كبرى في إعادة الإعمار والمشروعات الاستثمارية الكبرى.
رابعًا: الإمارات: وهي متواجدة بكلّ جبهة حرب لها علاقة بالموانئ وطرق التجارة، حيث ترعى ميليشيات تحفظ لها مصالحها ونفوذها بمعزل عن تقسيم الأوطان تحت راية محاربة التيارات الإسلامية، وهي مجرد ذريعة لحفظ المصالح الإماراتية.
خامسًا: مصر: بحكم الجوار والأمن القومي المصري، تبدو مصر متجاوبة مع أي تشكيل حكومي ناتج عن محصلة الصراع بشرط ألا يتم تقسيم ليبيا، أو في الحد الأدنى لو تم التقسيم، أن يكون الشرق الليبي والحدود الجغرافية خاضعًا لنظام غير معادٍ للنظام المصري وبالتالي لايشكّل تهديدًا.
2 - نذر فشل إدارة الفوضى:
في السنوات الماضية التي أعقبت سقوط نظام القذافي، كانت هناك إدارة للفوضى بما يجعل الشعب الليبي فقط هو الذي يدفع ضريبة الصراعات، وكان هناك مستوى من التنسيق أو اتفاق غير معلن بعدم ظهور صراع القوى الخارجية إلى العلن.
ولكن مع الحوادث الأخيرة وخاصة إسقاط الطائرات واغتيال شخصيات وازنة في ليبيا، تبدو نذر الانتقال إلى مستويات أخرى أخطر، وخاصة وأن هناك ما يشاع أن اغتيال رئيس الأركان الليبي كان ردًّا على اغتيال رئيس المخابرات العسكرية الروسي قبالة سواحل ليبيا بعملية استخباراتية أوكرانية، وما يشاع أن اغتيال سيف الإسلام القذافي يبدو ردًّا على عملية إسقاط الطائرة، وأننا دخلنا في دائرة مفرغة من العمليات الانتقامية بين الأطراف والقوى الخارجية.
3 - زيارة أردوغان للسعودية ومصر:
تبدو الزيارة لافتة في توقيتها، من حيث الانتشاء التركي بما آلت إليه الأوضاع في سورية، والتوافق التركي السعودي على نظام الجولاني، وتبدو الزيارة لافتة في توقيت الخلاف السعودي الإماراتي، حيث هناك تنافس تركي إماراتي في كافة الملفات في ليبيا والسودان والقرن الإفريقي، وهو ما يشي بمحور تركي سعودي وبالطبع توجد قطر في خلفيته.
ورغم أن هناك اتفاقًا تركيًّا سعوديًّا مع مصر في ملف السودان والقرن الإفريقي، إلا أن رعاية تركيا لجماعات معادية لمصر، وعدم ممانعة السعودية لدعم هذه الجماعات قد يشكّل قلقًا وتهديدًا لمصر، فبدت زيارة أردوغان لمصر من قبيل الطمأنة والتحييد والاستمالة بعيدًا عن الإمارات، لعدم التحسس المصري من التواجد في المتوسط وكذلك عدم مقاومة ما يحاك في ليبيا من محاولة التمكين لنظام شبيه بنظام الجولاني في سورية.
والخلاصة: أننا خرجنا من مرحلة إدارة التوازنات إلى مرحلة أكثر حدة وخطورة، وهي فرض التوازنات، وذلك بداية من الصراع الدولي والانقلاب العلني على الشرعية الدولية، وصولًا للصراعات الإقليمية، بل وحتّى الصراعات الداخلية في البلدان، وهو ما يتطلب مشروعًا وطنيًّا جامعًا ومقاومة صلبة وعدم الرهان على الخارج لكل بلد يدعي السيادة أو على الأقل يحرص على الحد الأدنى منها.