نقاط على الحروف
كاتبة من لبنان
صباح ١٢ شباط/فبراير ٢٠٠٨، تناقلت الشاشات التلفزيونية خبرًا عاجلًا، فيه من الغموض ما يكفي ليتردّد دويّه في أرجاء القلوب ويجهزّها للنبأ: دويّ انفجار في كفرسوسة - دمشق. صدى الخبر همسات تغرورق بعدها الأعين بغصّة بليغة، وتمتمة الاسم تأتي مذخّرة بصوتِ جمرة حلّت مشتعلة على الأرواح.
"الحاج رضوان؟!"
لم يكن الاسم متداولًا في غير أوساط حزب الله، والأقربين إليه، لكنّه شوهد في الدمعات التي تستبق تأكيد الخبر، فتنساب على الوجوه حارّة حارقة، تحكي حكاية لها مع صاحب الاسم.. "عماد مغنية؟!"
تلي التمتمة شهقة. فجميع العارفين في تاريخ المقاومة في لبنان، يعرفون وقع هذه الحروف التي جمعها يؤرق أجهزة المخابرات حول العالم.
طال النهار، والناس بين مدركٍ لهول المصاب الذي ليس موكّدًا بعد، وبين منتظر يستشعر أنّ الدويّ في كفرسوسة ترك فينا جرحًا عميقًا، لا نعرفه بعد.
مساء ١٢ شباط ٢٠٠٨، دوّى صوت مقدّمة النشرة الإخبارية على قناة المنار زلزالًا في القلوب: أطلّ الحاج علي المسمار، فقيد الإعلام المقاوم، مخاطبًا الحاج عماد، الحاج رضوان، مخاطبًا عزيز المقاومين، وعماد المقاومة وروحها: "السلام عليك مقاومًا، السلام عليك قائدًا، والسلام عليك شهيدًا"، "والسلام عليك من جنوبيّ غفا، الليلة فقط غفا، منذ سنين ما غفا".
قيل يومها إن جدران البيوت في مجتمع المقاومة اهتزّت على وقع حشرجات الألم. حتّى تلك التي لم يسبق لها أن سمعت بالاسم، عرفت بوجدانها هذا الوجه الذي خرج إلى العلن شهيدًا بعد عمرٍ من مقاومة، وخفاء، وأدركت أنّ خفقان الأفئدة المتسارع في مجرى الألم شاهدٌ على أنّ المصاب عظيم، وأن الحزن بعده، سرمد.
١٤ شباط ٢٠٠٨
موعد تشييع جثمان الشهيد عماد مغنية في الضاحية. نصال الألم تحزّ في الوجوه جرحًا نازفًا، والكلّ في ثياب الحداد يتهيّأ لوداع رجل بوجه ملائكي مُهاب، أخاف كلّ شياطين الأرض طيلة عقود. صوره تملأ الأمكنة، وبعض قطرات من صوته تجوب القلوب المحترقة، تسكّن روعها وتشعلها في آن. اليوم، في الضاحية، سيمرّ نعش الحاج رضوان للمرّة الأخيرة، يلقي التحيّة على وجوه الناس، الذين أحبّهم بكلّ جوارحه. على النعش المغطى براية حزبه "حزب الله"، ارتمت القلوب تودّعه. وقف رفاق دربه، بالدموع الغاضبة، بالحزن الثائر، بالشوق المبكر، لا يجدون من بين الكلمات ما يليق بالوداع، فاكتفوا بما فاضت به قلوبهم، ومع صوت سيّد شهداء الأمة قالوا له: "إلى الرضوان يا رضوان". سيّد شهداء الأمة، الذي في ذلك اليوم خاطب أهل المقاومة وحدّثهم عن ابنهم وعماد مقاومتهم وروح عسكرها، استحضر في كلماته كلّ الوجدان المقاتل، كلّ العاطفة التي ينضح بها الأولياء الصادقين. قال محدّثًا عن رفيق السلاح وأنيس الطلقات الأولى: "الحاج عماد حمل دمه على كفّه، وكفنه على كتفه، منذ كان شابًا في مقتبل العمر، ومضت به السنون، كان يصنع النصر، ويطلب الشهادة وأخيرًا وصل، فهنيئًا له هذا الوسام الإلهي الرفيع". وقال: ": "لقد ترك لكم عماد مغنية خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين المجهزين الحاضرين للشهادة". ثمّ ختم بـ"اليوم، حق الحاج عماد مغنية الشهيد على هذه الأمة أن تعرفه من أجلها لا من أجله، وحقه على الأمة أن تنصفه من أجلها لا من أجله، وحقه على الأمة أن تستلهم روحه ودرسه وجهاده من أجلها لا من أجله. فرضوان اليوم، في رضوان الله وكلّ ما قد يقال عنه في دار الدنيا من ثناء أو مديح هو جزء من الدنيا الفانية التي لا تساوي شيئًا في حسابات أهل الآخرة الواصلين".
شباط ٢٠٢٦
ثمانية عشر عامًا تراكمت ساعة بعد ساعة، ولم يزل وقع ذاك النبأ يقصم القلب، ويطلق عنان الحزن في الروح، ويثير فيها مزيجًا من عزّة لا تنكسر وغضبًا ثوريًا لا يسكن. ثمانية عشر عامًا وما زال "عماد مغنية" سرًّا حيًّا في وجدان أمّة بذل فيها عمره كلّه، حبًّا وطواعية.
ثمانية عشر عامًا ولم يزل مجتمع المقاومة، بكلّ ما جرى عليه، واقفًا شامخًا، جرحًا بعد جرحٍ، يلقي السلام على مغنيّة ويتلو له مع الفاتحة كلمات الامتنان على جميل ما فعل، وعلى متانة ما جهّز وترك، حين أعدّ لهذه الأمّة جيشًا من أرواح تقاتل، وحين درّب وجهّز وعمل وبذل وعاش مجهولًا في الأرض.
ثمانية عشر عامًا، والذكرى هذا العام تأتي في مرحلة متقدّمة من المواجهة التي أسّس لها الحاج عماد ورآها منذ سنين طوال، ورسم هدفها "الواضح والمحدّد والدقيق: إزالة "إسرائيل" من الوجود".
الأثر عامًا بعد عام يشتدّ بريقًا، ويجتذب الأرواح الباحثة عن النور، لذا في كلّ يوم ومنذ الرابع عشر من شباط ٢٠٠٨، ظلّ ضريحه، المجاور لأضرحة جيش من الشهداء، محطّ رحال القلوب العارفة بمعنى عماد في المقاومة، ومزار الصادقين. وظلّ اسمه لا يُنطق بغير حبّ لمّاع وصدق وفير. وظلّت صورته أيقونة عشق تدفىء بيوت أهل المقاومة، وظلّ عمادًا لكلّ السائرين في هذه الدرب، وظلّ وجهة الطيبين الذين اليوم بالذات يبدؤون نهارهم بالسلام على عماد مغنية، ويختمونه بدمعة شوق، وعهد يتجدّد: إنّا على العهد يا حاج عماد، بلّغ سلامنا لرفاقك الشهداء، ولسيّد شهداء الأمة.