تحقيقات ومقابلات
تبدو الشهادة، لمن يُحسن قراءتها، مسارَ حياةٍ لا لحظةَ موت؛ تُكتب سطورها كلّ يوم بالأفعال قبل الدم، وبالمواقف قبل الختام. وفي جنوب لبنان، حيث للنجوم ذاكرة وللأرض وصايا، تلمع الشهادة كنورٍ لا يُمحى، رافعةً أصحابها إلى المقام الذي يشبههم. على هذا النحو تُقرأ سيرة الشهيد حسن شريف غملوش؛ رجلٌ عاش شهيدًا في خُلُقه، وفي خدمته للناس، وفي حضوره الإنساني، قبل أن يرتقي شهيدًا بجسده. أما شهادة الممرضة التي رأت في وجهه نورًا، فلم تكن إلا مرآةً صادقة لسيرةٍ كُتبت بصمت، ورُفعت عند الله وسامَ خلود.
يمضي الشهداء في حياتهم مثقلين بالجهاد والتعب، عارفين أن الطريق إلى الله لا يُفرش بالراحة، بل يُعبّد بالصدق والتضحية. يودّعون الدنيا وهم في قلبها، ويغادرون الحياة بعد أن يؤدّوا أمانتها كاملة. الشهيد حسن، ابن بلدة جباع الجنوبية، المولود في 11 تموز 1997، ارتقى في 31 تموز 2025، بعد أن نذر عمره القصير لخدمة الناس ومجتمعه ووطنه، فكان صورةً ناصعة للبطل الطاهر الشريف، وتجسيدًا حيًّا لمعنى اسمه ودلالته.
في يوم استشهاده، دوّنت الممرضة زهراء حوراني، العاملة في مستشفى الرسول الأعظم، شهادةً إنسانية تحوّلت إلى وثيقة أخلاقية عن حسن. كانت على دوامها في العيادات الخارجية، حين دخل حاجٌّ مسنّ وبرفقته شاب. من النظرة الأولى، أحسّت أن في هذا الشاب ما ليس مألوفًا؛ وجهٌ لا يُحتمل النظر إليه من شدّة النور، وجهُ إيمان، وجهُ شهيد.
قال الشاب إنه يريد إدخال الحاج إلى طبيب أنف وأذن وحنجرة، فظنّت أنه والده. طُلب منه مبلغ المعاينة، فدفعه على الفور وقال إنه سيعود بعد قليل. لاحقًا، ناداها الحاج وأخبرها أن الشاب لا يعرفه، وأنه التقاه في الشارع فأوصله بسيارته إلى المستشفى، ودفع عنه ثمن المعاينة بعدما تركه أولاده. عندها انكسر قلبها، وعرفت أن هذا الشاب يعمل حارسًا في المستشفى، وأن راتبه بالكاد يكفيه، لكن كرامته وإنسانيته تساويان الدنيا.
حين علم الطبيب بالقصّة، رفض أخذ المال وطلب إعادته. وعندما أعادت الممرضة المبلغ إلى حسن، قال لها: "ليش هيك عملتي؟ أنا بدي أكسب أجر بالحاج". دمعت عيناه حين أكدت له أن الأجر له، ومضى مع الحاج. ولم تنتهِ الحكاية هنا؛ إذ أعاد الفعل مع طبيب آخر، ودفع من جديد، ورفض استرداد المال. يومها، لم تستغرب الممرضة خبر استشهاده، فمَن يشبه حسن لا يموت موتةً عادية.
والدة الشهيد، فداء قانصوه، تحدثت لموقع "العهد" الإخباري عن ابنها كما تتحدث الأم عن قطعةٍ من قلبها. قالت إن حسن كان حسنَ الأخلاق، محبًّا لإخوته منذ صغره، حريصًا على صلاتهم، يلاحقهم بحنانٍ كي لا تفوتهم. كان يعمل، وكلما كسب مالًا اشترى لهم حاجاتهم، ويحب أن يجتمع مع العائلة على المائدة، ولم يفارقهم حتّى بعد زواجه. كان سندًا لأخواته البنات، حريصًا على حيائهن واحتشامهن، يتقاسم لقمة عيشه معهن، ويصدح عند دخوله البيت: "أمي.. بدي آكل".
تقول الأم إنها ربّت حسن على حبّ المقاومة والشهادة، وكانت تعلم في سرّها أنه سيختار هذا الطريق. وتروي عن خاتمٍ جلبته من عند الإمام الحسين عليه السلام، أصرّ حسن على أن يأخذه، وبقي في إصبعه حتّى استشهاده. كما أوصاها بزوجته وابنه قائلًا: "زهراء وعباس أمانة عندك".
تلقت نبأ استشهاده عند منتصف الليل. عرفت قبل أن يُقال لها، فبكت، ومشت لتخفّف وجعها، ثمّ صلّت ركعتين، وواست حزنها بحزن السيدة الزهراء والحسين عليهما السلام، معتبرةً أن الدمعة على الشهداء نصرٌ آتٍ. ووجّهت كلمة إلى الأمهات، مؤكدةً أن أبناءهن الشهداء بأمان عند الله، وأنهم هم من منحوا الأمان في زمن الخوف.
وتضيف أنها رأت حسن في رؤيا يبشّر بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه، وأن الأمهات أول من يعلم بظهوره من خلال أبنائهن الشهداء، داعيةً إلى متابعة المسيرة تمهيدًا لذلك الظهور.
أما والد الشهيد، شريف غملوش، فوصف ابنه بأنه صاحب شخصية قوية ومتزنة، شجاع ومبدئي، لا يخاف في الله لومة لائم، يسعى دائمًا إلى رضاه. كان يؤمن بالتضحية وبفناء الدنيا، ويحث من حوله على الصلاة ونصرة المظلوم، ويدعو إلى الوحدة والعمل الجماعي، مردّدًا أن العز يُصنع ولا يُشترى، وأن طريق الحق مليء بالتضحيات.
أخوه جعفر استذكره أخًا وصديقًا، رغم أن حسن أصغر سنًا. كان حسن من ينصحه بالقوّة والثبات، كأن روحه سبقت جسده. يقول جعفر إن حسن لم يكن يرى هذه الدنيا؛ كان حاضرًا فيها جسدًا فقط، أما قلبه فكان معلّقًا بالشهادة. كريم النفس، يوزّع الطعام في عاشوراء وشهر رمضان، ويترك أثرًا طيبًا في كلّ من عرفه.
وحين تُغادر الأرواح أجسادها، تبقى آثارها كنجومٍ لا تنطفئ، تُضيء دروب السائرين على الدرب ذاته. هكذا تبقى شهادة حسن، في ذاكرة من عرفه، نورًا لا يزول، يهمس في القلوب أن العشق الحقيقي هو عشق الله، وأن السيرة الطاهرة لا تموت، بل تُخلَّد.