اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي إيران وغزة والكنيست… ثلاث جبهات تضغط على نتنياهو 

نقاط على الحروف

نخبة الاقصاء وانهيار المعايير الوطنية
نقاط على الحروف

نخبة الاقصاء وانهيار المعايير الوطنية

154

في لبنان، لم تعد الأزمات محصورة بالاقتصاد المنهار أو الدولة العاجزة أو النظام السياسي المترهل، بل باتت أزمة وعي وأخلاق ومعايير. أخطر ما نواجهه اليوم هو انزلاق جزء من الخطاب العام، وخصوصًا لدى فئات تقدم نفسها كنخب ثقافية وسياسية، نحو منطق إقصائي وعدائي لا يستهدف خيارا سياسيًّا أو سلاحًا بعينه، بل يطال طائفة بكاملها، ويحمل في طياته استعدادًا صريحًا للتخلص منها رمزيًّا وربما فعليًّا.

عندما يقول بعض هؤلاء علنًا أو مواربة إن على "إسرائيل" أن تضرب البيئة الشيعية حصرًا، فنحن لسنا أمام رأي سياسي، بل أمام تبرير واضح للعقاب الجماعي. هنا يسقط أي ادعاء بالسيادة أو الإنسانية. استهداف المدنيين على أساس انتمائهم الديني أو الاجتماعي هو منطق احتلالي بامتياز، ومن يتبناه لا يختلف أخلاقيًّا عمن يمارسه. الأخطر أن هذا الخطاب يصدر عن أشخاص يفترض أنّهم دعاة دولة وقانون، فيما هم يشرعنون القتل طالما أنه يصيب "الآخر".

وفي السياق نفسه، يطرح البعض فكرة نزع السلاح مقرونة بعبارة من نوع: وماذا لو بقي للبيئة المقاومة 27 نائبًا في البرلمان؟ هذا الطرح ليس إصلاحيًّا ولا دستوريًّا، بل اختزال طائفة كاملة في وظيفة رقمية. المعنى الضمني واضح: ابقوا موجودين شكليًّا، منزوعي التأثير والقوّة، ضمن نظام مصمم لغيركم. هذه ليست شراكة وطنية، بل صيغة تدجين سياسي وإقصاء ناعم.

ثم نصل إلى المرحلة الأكثر فجاجة، حين يصرح بعضهم بأن مشكلته ليست مع السلاح بل مع "عقيدة الشيعة". هنا يسقط القناع نهائيًّا. نحن أمام كراهية عقائدية صريحة، لا علاقة لها بالدولة ولا بالسيادة. الاعتراض على عقيدة دينية، عندما يستخدم لتبرير الاقصاء والنبذ، يتحول إلى مشروع إلغاء جماعي، مهما حاول أصحابه تجميله بلغة حداثية.

الأكثر خطورة أن قسمًا من هذا الخطاب يصدر عن أشخاص يلتقون سياسيًّا وثقافيًّا مع حاخامات اليهود أكثر مما يلتقون مع المسلمين اللبنانيين. لا نتحدث هنا عن حوار أديان، بل عن قطيعة داخلية واعية مع الشريك الوطني، مقابل ارتماء في أحضان مشروع خارجي لم يخفِ يومًا ازدراءه للآخرين. من المفارقات الفاقعة أن هؤلاء يتناسون، عن جهل أو تجاهل متعمد، أن بعض التيارات اليهودية المتطرّفة تعتبر البصق على الصليب أو على الرهبان نوعًا من "البركة"، وهي ممارسات موثقة تاريخيًّا في زمن ومعاصر، ومع ذلك يتم تقديم هذا الكيان كحليف حضاري.

في المقابل، يتم القفز عمدًا فوق تاريخ طويل من التعايش الفعلي بين المسلمين والمسيحيين في لبنان. هذا التعايش لم يكن شعارًا رومانسيًا، بل ممارسة يومية وشراكة في الخطر والمصير. وعندما تعرض البلد لتهديد وجودي حقيقي مع هجمات التنظيمات التكفيرية، بما فيها ما يسمّى الدواعش، لم يكن السؤال عن هوية الضحية الدينية، بل عن حمايتها. يومها، وقف المسلمون اللبنانيون، وخصوصًا في البيئات التي يتم شيطنتها اليوم، سدًّا منيعًا في وجه مشروع إبادة لم يفرق بين كنيسة ومسجد، ولا بين راهب وإمام.

الى ذلك، كشفت فضائح جيفري ابستين، وما تلاها من نشر لوثائق ومحاضر قضائية صادرة عن وزارة العدل الأميركية، وجهًا مظلمًا لما يسمّى نخبة المجتمع الأميركي. هذه الوثائق لا تطاول هامش المجتمع، بل أسماء نافذة في السياسة والمال والاعلام، متهمة أو محاطة بشبهات تتعلق بالتحرش الجنسي بالأطفال وممارسات منحرفة أخلاقيًّا. ومع ذلك، لا تزال هذه النخبة تشكل، في نظر بعض اللبنانيين، قدوة أخلاقية وسياسية، يرفعونها نموذجًا أعلى بلا أي مساءلة.

هذا التماهي انسحب أيضًا على الخطاب الإعلاميّ المحلي، حيث بات الابتذال الأخلاقي يقدم على الشاشات كدليل تحرر وحداثة. يكفي التوقف عند ما قيل على الهواء مباشرة منذ فترة، حين صرحت إعلامية معروفة بوقاحة كاملة: "ما حدا له علاقة بأعضائي...".، ليرد عليها فجأة الإعلامي المشهور نفسه بعبارة لا تقل انحدارًا. هذا المشهد لم يكن نقاشًا حول الحرية الفردية، بل عرضًا فاضحًا لانهيار المعايير، وتطبيعًا مع التفاهة، وتقديم الانفلات الأخلاقي كقيمة بحد ذاته.

هذا النموذج بالذات هو ما يروج له بعض السياسيين اللبنانيين عندما يتحدثون عن "لبنان الذي يريدونه". ليس لبنان الدولة العدالة ولا الشراكة المتوازنة، بل لبنان المفصول عن تاريخه وقيمه، التابع ثقافيًا وأخلاقيًا لمنظومة ثبت، بالوقائع لا بالشعارات، مدى فسادها وانحطاطها. هو لبنان الإقصاء المقنع بلغة سيادية، والاستعلاء الثقافي المغلف بشعارات الحرية.

القضية في النهاية ليست دفاعًا عن طائفة أو حزب، ولا دعوة إلى قمع الحريات، بل هي سؤال جوهري لا مفر منه: أي لبنان نريد؟ لبنان الشراكة القسرية لكنّها الضرورية، أم لبنان الكراهية والاستقواء بالخارج وتحميل فئة كاملة مسؤولية الانهيار؟ من يختار الطريق الثاني لا ينقذ البلد، بل يعلن إفلاسه الأخلاقي، ويدفع لبنان خطوة إضافية نحو التفكك، باسم نخبة لا تشبهه ولا تمثله.

الكلمات المفتاحية
مشاركة