اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي سويسرا تستضيف محادثات أميركية - إيرانية الأسبوع المقبل

مقالات

كلفة الحرب تُعيد واشنطن إلى طاولة التفاوض
مقالات

كلفة الحرب تُعيد واشنطن إلى طاولة التفاوض

72

عندما تعود الولايات المتحدة إلى الحديث مع إيران عن التفاوض، فإن ذلك لا يعكس تحولًا لغويًا في الخطاب بقدر ما يكشف تغيرًا في الحسابات. في العلاقات الدولية لا تُستأنف القنوات السياسية في الملفات الحساسة إلا بعد اختبار بدائل أخرى، وفي الحالة الإيرانية-الأميركية تبدو العودة إلى المفاوضات غير المباشرة نتيجة مسار تصعيدي بلغ حدوده العملية، أكثر مما هي مبادرة نابعة من اندفاعة دبلوماسية جديدة.

خلال الفترة الماضية اعتمدت واشنطن سياسة ضغط متعددة الأدوات، شمل ذلك تحركات عسكرية في المنطقة، تلتها رسائل ردع مباشرة وغير مباشرة، واستُكملت بتفعيل آليات قانونية مرتبطة بالاتفاق النووي مثل "آلية الزناد"، وصولًا إلى التصعيد السياسي والداخلي والإعلامي. وانطلاقًا من اعتقاد أميركي بأن هذا الضغط قد يربك الجانب الإيراني، طُرحت مطالب تجاوزت الإطار النووي لتشمل البرنامج الصاروخي الباليستي، والدور الإقليمي، وبعض القضايا الداخلية، إلى جانب اشتراط "صفر تخصيب" لليورانيوم على الأراضي الإيرانية. هذه المقاربة عكست توجهًا لفرض معادلة تفاوضية واسعة النطاق تتعدى معالجة الملف النووي إلى إعادة رسم حدود السلوك الإستراتيجي الإيراني.

إلا أن نتائج هذه السياسة الأميركية لم تستطع تحقيق أهدافها في إحداث تحولات جوهرية في التعاطي الإيراني. فرغم كلّ الجهود، لم يتحقق تغيير داخلي في بنية النظام السياسي الإيراني، ولم تُسجَّل تنازلات إستراتيجية في الملفات الدفاعية أو الإقليمية. في المقابل، برزت كلفة مرتفعة لأي مواجهة عسكرية واسعة، سواء بسبب تعقيد البيئة الإقليمية أو انتشار المصالح والقواعد الأميركية ضمن نطاق القدرات الإيرانية. ومع ارتفاع احتمالات اتساع أي صراع ليأخذ بعدًا إقليميًا، بدا أن خيار التصعيد المفتوح يفتقر إلى ضمانات النجاح ويزيد من حجم المخاطر.

من هنا يمكن قراءة العودة الأميركية إلى التفاوض بوصفها انتقالًا من سياسة اختبار الإرادات عبر الضغط المكثف إلى إدارة الخلاف عبر قنوات سياسية أكثر انضباطًا. والتحول الأبرز تمثل في حصر التفاوض؛ فبعد أن كانت واشنطن تربط أي حوار بحزمة شروط شاملة، ينصب التركيز اليوم على الملف النووي حصرًا، من دون اشتراط مسبق يتعلق بوقف كامل للتخصيب أو إدراج ملفات أخرى في المرحلة الأولى.

هذا التعديل في سقف المطالب الأميركية يعكس إدراكًا بأن توسيع دائرة الشروط أدى في السابق إلى انسداد كامل في التفاوض. ووفق هذا المنظور، دفعت إيران المفاوض الأميركي إلى اعتماد مقاربة تدريجية تبدأ بالملف الأكثر إلحاحًا، على أمل تحقيق أرضية يمكن البناء عليها لاحقًا. في المقابل، تؤكد إيران تمسكها بحقها في التخصيب ضمن الأطر القانونية، وتعتبر أن أي اتفاق يجب أن يقوم على توازن واضح بين الالتزامات ورفع فعلي للعقوبات، لا على إجراءات أحادية الجانب.

الناحية الأخرى في هذا التحول تتعلق بتوصيف مسار العودة. فمن منظور طهران، لم تكن إيران هي من أوقف التفاوض، بل تعاملت مع انسحاب أميركي سابق من الاتفاق النووي أعقبه تصعيد في العقوبات والضغوط. وعليه، فإن استئناف الحوار يُقدَّم داخليًا باعتباره نتيجة صمود أمام مرحلة ضغط مكثف، لا استجابة لإملاءات جديدة. هذا الفهم يعزز موقع إيران التفاوضي، ويجعلها أكثر حذرًا في تقديم تنازلات لا تقابلها ضمانات واضحة.

مع ذلك، لا يمكن تجاهل عمق أزمة الثقة بين الطرفين. فالانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي عام 2018، واستمرار العقوبات رغم محاولات إحياء التفاهم، تركا أثرًا عميقًا في الوعي السياسي الإيراني. كما أن تبدل السياسات من إدارة أميركية إلى أخرى يثير تساؤلات حول استدامة أي التزام طويل الأمد. من هنا، ستشكّل آليات التنفيذ والضمانات القانونية أحد المحاور الأساسية في أي مفاوضات مقبلة.

هنا تلعب البيئة الإقليمية دورًا مؤثرًا. الكيان "الإسرائيلي"  يعارض أي اتفاق لا يقيّد القدرات الإيرانية بصورة واسعة، وقد سعى في مراحل سابقة إلى التأثير في مسار التفاوض. كما أن بعض القوى الإقليمية، بغضّ النظر عما تصرح به علنًا تجاه دعمها لإيران، تنظر بقلق إلى أي تقارب محتمل قد يعيد توزيع موازين النفوذ. هذه العوامل تجعل المفاوضات النووية محاطة بضغوط خارجية يمكن أن تعرقلها أو تدفع نحو تشديد المواقف.

وبعيدًا عن التأثير الداخلي المباشر للمفاوضات على كلّ من الولايات المتحدة وإيران، تتقاطع عودة المفاوضات مع أولويات السياسة الأميركية العالمية، وفي مقدمتها إدارة التنافس مع الصين وروسيا وتقليل عدد بؤر التوّتر المفتوحة. هذه الاعتبارات تدفع واشنطن إلى تفضيل احتواء الملف الإيراني عبر مسار تفاوضي بدلًا من إبقائه مصدرًا دائمًا لاحتمالات التصعيد. لذا يمكن أن يكون الاتفاق المحدود أو المرحلي خيارًا عمليًا يسمح بخفض المخاطر دون الدخول في تسويات شاملة معقّدة.

انطلاقًا من ذلك، تبدو عودة الولايات المتحدة إلى الحديث مع إيران عن التفاوض نتاج توازنات مستجدة أكثر منها انعكاسًا لتقارب إستراتيجي عميق. لقد أظهرت مرحلة الضغط المكثف حدودها، فيما لم تتوفر ظروف ملائمة لمواجهة عسكرية واسعة. وبين هذين الخيارين تبرز الدبلوماسية كمسار واقعي لـ"تنظيم الاشتباك"، حيث يبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بقدرة الطرفين على تثبيت إطار محدّد وواضح يركز على الملف النووي ويؤسس لتوازن مقبول قد يضبط إيقاع المنطقة ويمنع انزلاقها إلى مواجهة أوسع في بيئة إقليمية متوترة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة