مقالات مختارة
معن خليل - صحيفة الأخبار
ما يجري في الضاحية الجنوبية لبيروت ليس خللًا عمرانيًا عابرًا، ولا مسألة هندسية تُحلّ بتقارير خبراء. إنه فشل سياسي موصوف. وكما اهتزّت السلطة بعد انهيارات طرابلس تحت ضغط الإعلام والرأي العام، فإن واقع الضاحية وأطراف بيروت يختبر اليوم صدقية الدولة: هل تتحرك لحماية الناس، أم تنتظر توازنات الطوائف؟
المؤسسة العامة لترتيب منطقة الضاحية الجنوبية "أليسار"، أُنشئت عام 1995 بخطة واضحة لإعادة تنظيم المدخل الجنوبي للعاصمة. استملاكات، تحرير أملاك عامة، بدائل سكنية، تخطيط شامل. بعد ثلاثين عامًا، لا شيء تقريبًا تحقق. مئات المليارات صُرفت، والمنطقة بقيت عالقة بين خرائط على الورق وواقع فوضوي على الأرض. "أليسار" لم تفشل لأنها عاجزة تقنيًا، بل لأنها مُعطَّلة سياسيًا. تحولت إلى مظلة تجميد، لا إلى أداة إصلاح.
في الأوزاعي والرمل العالي وحي فرحات وبئر حسن والجناح، وصولًا إلى محيط مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة وأطراف الطريق الجديدة، تنتشر أبنية شُيّدت في زمن الحرب أو تحت أنظار دولة غائبة. خرسانة ضعيفة، حديد متآكل، طبقات أُضيفت بلا دراسة، ومياه مالحة أكلت أساسات المباني. هذا ليس "إهمالًا شعبيًا"، بل نتاج عقود من غضّ النظر الرسمي.
الأخطر أن المخالفات لم تقتصر على مساكن الفقراء. ففوق أملاك عامة وخاصة نشأت مؤسسات ومستودعات ومشاريع تجارية، قائمة على وضع اليد. بيوعات عرفية، إفادات مهنية، تراخيص نقابية، وكلّ ذلك من دون تثبّت جدي من الملكية. من منح هذه التغطية؟ من سهّل؟ من سكت؟ الصمت الرسمي لم يكن بريئًا، بل كان شراكة.
رمي المسؤولية على البلديات بات نكتة سمجة. "أليسار" تتبع لرئاسة مجلس الوزراء، أي للسلطة المركزية مباشرة. ومع ذلك، تُترك بلديات مفلسة لتواجه قنبلة إنشائية موقوتة. هذا ليس تقصيرًا إداريًا، بل تهرّب سياسي. بعض الأجهزة الأمنية غضّت النظر عن التمدد المخالف، والإدارات الرقابية اكتفت بالمراسلات، فيما النواب والوزراء والقوى السياسية يراقبون بصمت مدروس.
عندما انهارت أبنية في طرابلس، تحركت الدولة سريعًا. لماذا؟ لأن الكاميرات كانت هناك، ولأن المعادلة السياسية فرضت نفسها. هل نحتاج إلى كارثة في الضاحية كي تتحرك الحكومة؟ هل الأرواح تُحسب على ميزان الطوائف؟
الضاحية ليست كتلة مذهبية مغلقة، كما يحلو للبعض تصويرها لتبرير الإهمال. فيها أحياء سنية وشيعية ونسيج اجتماعي متداخل مع بيروت. ما يجمع سكانها ليس الانتماء، بل التهميش. الانتقائية في التحرك تفضح حقيقة مُرّة: الدولة لا تتحرك وفق الدستور، بل وفق التوازنات.
الملف لا يحتاج إلى لجنة جديدة تُدفن في الأدراج، بل إلى قرار سياسي شجاع: مسح فوري وشامل للأبنية المهدّدة ضمن نطاق "أليسار"؛ صندوق طوارئ شفاف للإيواء والتدعيم؛ تدقيق قانوني بكلّ التراخيص والإفادات الصادرة على عقارات مشغولة خلافًا للقانون؛ تحرير الأملاك العامة بمقاربة اجتماعية تؤمّن بدائل سكنية فعلية؛ وإعادة هيكلة "أليسار" أو إنهاؤها واستبدالها بهيئة تنفيذية تملك صلاحيات وميزانية حقيقية.
كل تأجيل هو رهان على الوقت. وكلّ رهان على الوقت يعني انتظار انهيار جديد، ثمّ بيانات تعزية ولجنة تحقيق لا تحاسب أحدًا.
المسؤولية واضحة ومباشرة: الحكومة مجتمعة، وزراؤها المعنيون، نواب بيروت والضاحية، والقوى السياسية التي تمسك بالأرض. إما أن تُستعاد سلطة القانون وحق الناس في سكن آمن، وإما أن يُقال بصراحة إن الفوضى العمرانية خيار سياسي، وإن حياة المواطنين تفصيل قابل للمساومة.
لم تعد الأبنية وحدها تتصدّع، الدولة نفسها تتصدّع معها. الانهيار ليس قدرًا بل قرار. والتاريخ، حين يُكتب، لن يميّز بين من أخطأ ومن صمت.