اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي البرهان: لا هدنة في السودان إلا بانسحاب "الدعم السريع" من مناطق تحتلها

تحقيقات ومقابلات

🎧 إستمع للمقال
تحقيقات ومقابلات

"ذو الفقار".. سيفٌ في الميدان ويدٌ رحيمة في بيوت الناس

"ذو الفقار".. حين صار السيفُ رحمةً في بيوت الناس
165

الشهادة هي مطلع فجرٍ لسيرة لا تنطفئ. هي نبراس حياة الثائرين الذين أبوا المهانة، ورأوا في الأرض عرضًا وشرفًا يستحقان الدفاع، ولو كان الثمن الروح. هكذا مضى مجاهدو المقاومة الإسلامية منذ نشأتها، يسطّرون ملاحمهم، حتّى جاءت معركة "أولي البأس"، فأذهلوا القريب قبل البعيد ببطولات بدت كأنها خارجة من كتب الأساطير. من بين تلك الوجوه التي أشرقت في ليل الميدان، برز اسم الشهيد السعيد محمد جمال محمد، والذي عُرف باسمه الجهادي "ذو الفقار".

تقول والدته "الحاجة أم محمد"، في حديثٍ لموقع العهد الإخباري، إنّ محمدًا اختار اسمه كما يُختار القدر؛ فـ"ذو الفقار" لا يُدعى به إلّا من جعل الشجاعة خُلقًا والبطولة دربًا والعنفوان لباسًا. هو الاسم الذي اقترن بسيف الإمام علي بن أبي طالب (ع)، ذاك الذي صار رمزًا للحق حين ينهض في وجه الباطل. وكأنّ محمدًا اقتفى أثر المعنى لا الحرف، فكان في الميدان أسدًا، وسجّل بدمه آيةً من آيات الإباء.

وُلد محمد في 23 - 6 – 1993، في العاصمة بيروت، عند الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرًا، واستُشهد في 23 - 11 - 2024 في معركة "أولي البأس" في بلدة زبقين الجنوبية، وشيّع في 26 - 11 - 2024 عند الثانية عشرة والنصف ظهرًا. بين فجر الميلاد وظهر التشييع رمزيةٌ تهمس بأن الزمن لا يقيس الرجال بالساعات بل بالمواقف. وُلد في "برنص"؛ يُقال إنه يجلب الرزق، فكان رزقه حبّ الناس، وكانت شهادته تاجًا على جبين حكايته.

كان محمد الشاب الخلوق الذي لا تفارقه البسمة. إذا جلس أشاع فرحًا، وإذا مرّ ترك في القلوب أثرًا طيبًا. كان يردّد دائمًا: "لنرَ الجزء الممتلئ من الكوب"، وكأنه يدرّب الأرواح على الأمل؛ كما تُدرّب السواعد على الثبات. يوصي من حوله: "حنّوا على بعض، ما بقي من العمر قد لا نلقاه"، فكان حنانه سابقًا لكلماته، وفعله أبلغ من وعظه.

في بيته كان سندًا لوالده، وموضع ثقته في الصغيرة قبل الكبيرة. مع والدته كان "حلّال المشكلات"، كما كانت تناديه؛ يصغي، ويحتوي، ويزرع الطمأنينة في قلبها كما تُزرع شجرة في أرض عطشى. مع أخويه؛ كان الأخ الأكبر الذي يحمل عنهم ثقل الأيام، ومع شقيقته كان السند والملجأ وبيت السر، أخًا يشبه الأب، وصديقًا لا يُعوّض.

عاش زاهدًا معطاءً لغيره. النقاء عنوانه والوفاء طبعه والذكرى الطيبة ميراثه. كانت علاقته بابنته الوحيدة "تيا"، وهي ذات الأعوام الستة، صورةً أخرى من عطائه؛ يلعب معها، يسرّح شعرها، ويحتضنها حتّى تغفو. كانت لا تأمن يديها إلّا بين يديه، وهو اليوم، كما تؤمن العائلة، يحرسها من عليائه ويزورها في أحلامها.

قلبه كان معلّقًا بالله منذ الصغر. كان القرآن الكريم عنده نبعًا يهدأ عنده القلب. تعلّق بأول آية من سورة مريم ﴿ كهيعص﴾، فكان يقرأ في حروفها رموز كربلاء وصبر الحسين (ع) وعطشه ومصابه. وجد في دعاء الافتتاح، لا سيما مقطع "بسم الله مالك الملك مجري الفلك"، ملاذًا لروحه؛ يستشعر فيه عظمة الخالق وجريان الأمور بقدرته. صلاة الليل عنده كانت لقاءً سرّيًا يصفّي فيه قلبه، ويجدد عهده مع الله. كان يعيش الإيمان في قوله وفعله، في خشوعه وسعيه، حتّى صار قربه من الله ميزان أيامه.

تضيف الوالدة: "عشق العترة الطاهرة كان في دمه نبضًا. أحبَّ ليلة الجمعة لصاحب العصر والزمان (عج)، وتعلّق بأبي الفضل العباس (ع) باب الحوائج، واستلهم منهم العزم والشجاعة. أحيا مجالس عاشوراء، وخدم في المضائف حبًا لأهل البيت (عليهم السلام). هذا العام، حين غاب جسده، أقيم مضيف باسمه وعن روحه. روي أن أحد خدامه رآه في المنام يوصي بإقامة مجلس لأبي الفضل العباس (ع) في منزلهم، مؤكدًا حضوره. هكذا ظل قلبه حاضرًا في مواسم الذكر، وإن غاب الجسد.

مسيرته الجهادية كانت طويلة ومضيئة؛ من حرب سورية إلى معارك الدفاع المقدس، مرورًا بالسلسلة الشرقية وطوفان الأقصى، حتّى نال شهادته في معركة "أولي البأس". اجتهد ليُقبل طلبه بالذهاب إلى الجبهة، وكان يقول إن الراحة ليست خيارًا حين يُنادى الواجب؛ حتّى ألم ركبته لم يثنه؛ كان يرى في كلّ عقبة فرصةً لتزداد عزيمته. كان مجاهدًا جمع بين الشجاعة الروحية والجسدية، واستمد قوته من إيمانه ومحبة آل بيت محمد الأطهار.

غير أن حجته الأبلغ لم تكن في الميدان وحده، أيضًا في بيوت الناس. كان يرى أن الجهاد امتدادٌ لخدمة الخلق ونصرةُ حق وحمايةُ مظلوم وسعيٌ في حاجات الناس. بعد استشهاده، تكشّفت أسرار عطائه كما تتفتح الأزهار بعد المطر. روى أحدهم أنه ساعده في تأمين وظيفة، وآخر قال إنه يسّر له أمرًا بمبلغٍ من المال، وثالث أكد أنه حلّ له مشكلةً معقّدة. في شهر رمضان، من كل عام، كان يتكفّل بإطعام عائلة متعففة طوال الشهر، ويشتري الأدوية لامرأة محتاجة؛ حين قصدت تلك المرأة الصيدلية بعد استشهاده، أخبرها الصيدلي أن محمدًا الذي كان يدفع عنها قد ارتقى شهيدًا.

تبيّن أنه كان كافلًا ليتيم، يعمل بصمت لا يطلب شكرًا ولا إعلانًا؛ حتّى في قصّة الحج عنه، حين كان المبلغ ناقصًا، رأت العائلة في المنام ما يطمئنها، ثمّ اكتمل المبلغ باتّصالٍ مفاجئ، وكأن العطاء الذي زرعه عاد ليكمل الدائرة.

كان يردّد: "علاقتي مع الله بيني وبينه"، عبارةً توحي بالتواضع، لكن أثرها تجلّى بعد رحيله؛ فقد توافد المعزون بالعزاء وبباقات الشكر والعرفان لما كان يقدمه من خدمة خفية. هناك أدرك الجميع أن العلاقة الخالصة بالله تُثمر رحمةً بين الناس.

محمد هو معنى الآية "أحياءٌ ولكن لا تشعرون". حيٌّ بأعماله، بأثره، بابتسامته التي ما زالت تسكن الذاكرة. مع كلّ عاشوراء يُستذكر، ومع كلّ شهيد يُحتفى به، يتجدد حضوره. لقد أثبت أن أثر الإنسان لا يموت، وأن الشهادة حياةٌ تتوزع في قلوب الخلق.

حقّ الشهيد على الأمة أن تعرفه لأجلها لا من أجله؛ لتدرك أن السيف الذي يذود عن الأرض، هو ذاته اليد التي تمسح دمعة يتيم، وتطعم جائعًا، وتحلّ مشكلة محتاج. تلك هي حجته الباقية، وذلك هو النبراس الذي يضيء الطريق.

الكلمات المفتاحية
مشاركة