اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

شهادة قائد الأمة الامام السيد علي الخامنئي
المقال التالي إن خفت شيئا... فقع فيه!

نقاط على الحروف

فزت يا سيد علي ورب الكعبة... 
نقاط على الحروف

فزت يا سيد علي ورب الكعبة... 

189

 شهرُ الله، وأيّامُ الله، وصيامٌ لله، وجهادٌ في سبيلِ الله. توضّأ بقلبه قبل جسده، فصلّى صلاةَ المودّع، ورفع كفَّيه وقال: يا ربّ، يا ربّ، يا ربّ، ها أنذا بين يديك، أفقرُ الفقراءِ إليك، لا أملك إلّا ضعفي، ولا أرجو إلّا رحمتك، أشكرك في السرّاء والضرّاء، وألتمس نصرك، فانصرني، وخُذني إليك.

هكذا قابل السيّد القائد ربَّه، حاضرًا مطمئنًّا، لا يرى في الرحيل خسارةً بل لقاءً، ولا في النهاية انطفاءً بل اكتمالًا. مضى على يقين العارفين، مستندًا إلى وعدٍ لا يخيب، مستبشرًا بساعةٍ طالما دعا أن تكون خاتمة العهد وبداية الوصل.

هكذا أراد أن يلتحق بقافلة سادة الوجود، فسار على خطى جدّه علي بن أبي طالب عليه السلام، يوم صدح الجرحُ باليقين: «فزتُ وربّ الكعبة». لم يكن الموت عنده انكسارًا، بل عبورًا من ضيق التراب إلى سعة الوعد، ومن تعب الطريق إلى تمام الوصول.

فزتَ يا سيّد علي، فزتَ وربّ الكعبة.

فزتَ لأنك اخترتَ العهد حين كثر المتردّدون، وثبتَّ حيث اضطربت القلوب، ومضيتَ إلى ربّك ثابت الجبين، مطمئنّ القلب. كان دمك ختمَ الموقف، لا خاتمة الحكاية، وكانت خطاك صلاةً ممتدّةً في ميدان الكرامة.

واشتقتَ إلى أحبّتك الذين سبقوك، إلى معلمك ومرشدك، إلى رفاق الدرب الذين تقاسموا معك الخبز والخندق، الدعاء والانتظار، الحلم والوجع. اشتقتَ إلى تلك القافلة التي مضت قبلك تحمل النور في أكفّها وتمشي في دروبٍ لم تكن مفروشةً إلّا بالصبر.

هناك، حيث تتصافح الأرواح بعد طول فراق، لا تعود الأسماء مهمّة، بل تبقى المعاني التي عاشوا لها، والعهد الذي ختموه بصدقهم. هناك يلتقي السابقون باللاحقين، وتستريح القلوب التي أنهكها السهر، ويكتمل المسير الذي بدأ في الدنيا ولم ينقطع.

اشتقت إلى أحبابك: معلمك ومرشدك الإمام الخميني وقافلة النور من السيد علي بهشتي إلى الحاج قاسم سليماني إلى حبيبك السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين والقائد الحاج عماد مغنية... القافلة تطول، نعم، لكن الوجهة واحدة.

ارتفعتَ إلى السماء، وهَوَتْ بنا الأرض.

ما بين صعودك وهبوطنا انكسرت المسافة، فصار الفراق امتحانًا ثقيلًا، وصار الغياب حضورًا من نوعٍ آخر.

حين غبتَ عن أعيننا، لم تغب عن قلوبنا. تحوّلت قلوبُنا إلى مراقد للأحبّة، نحملهم في صدورنا كما يُحمل السرّ الثمين، لا يراه الناس لكنّه ينبض في كلّ لحظة. صارت الذكريات أضرحةً مضيئة، كلّما ضاق بنا الليل دخلناها فوجدنا بعض السكينة.

ارتفعتَ خفيفًا كدعاءٍ صادق، وبقينا نحن مثقلين بأسئلة الفقد. لكنّنا نعلم أنّ الذين يرحلون على درب الإيمان لا يسقطون، بل يعلون، ولا ينطفئون، بل يتحوّلون إلى معنى. وهكذا صار غيابك حضورًا أعلى، وصار وجعنا عهدًا أن نبقى على الطريق.

نعم، هَوَتْ بنا الأرض ساعةَ الفراق، لكنّك حين ارتفعتَ، رفعتَ معنا شيئًا من أرواحنا. ومنذ ذلك اليوم، لم تعد القلوب مجرّد صدورٍ نابضة، بل صارت مراقدَ أحبّة، ومشاعلَ ذكرى، ووعدًا بأنّ اللقاء حقّ، وأنّ المسير لا ينتهي بالفراق.

نعم، ما رأيتُ إلّا جميلًا.

هكذا يقول القلب حين يتجاوز الصدمة إلى مقام الرضا، وحين يفهم أنّ ما جرى لم يكن عبثًا، بل قدرًا محمولًا على حكمةٍ أعلى. في لحظة الفقد، يبدو الألم سيّد المشهد، لكنّ البصيرة ترى ما وراء الدموع؛ ترى المعنى الذي يتكوّن في الخفاء، وترى الجمال الكامن في الصبر.

لسنا نمجّد الوجع، ولا ننكر حرقة الغياب، لكنّنا نوقن أنّ في كلّ ابتلاءٍ سرًّا، وفي كلّ رحيلٍ رسالةً، وفي كلّ دمعةٍ تطهيرًا للقلب. الجمال ليس في الحدث نفسه، بل في الموقف منه؛ في الثبات حين تتزلزل الأشياء، وفي الرضا حين يضيق الأفق.

أن تقول «ما رأيتُ إلّا جميلًا» يعني أنّك سلّمت الأمر لربّك، وأنّك رأيتَ يد العناية حيث يرى الآخرون الفوضى، وسمعتَ وعد الرحمة حيث يسمع الآخرون صدى الخسارة.

هو مقامٌ عالٍ، لا يبلغه إلّا من ذاق الفقد ثمّ اختار الإيمان، ومن وقف على حافة الألم ثمّ قال بثقة: وراء هذا كلّه حكمة، ووراء الغياب لقاء، ووراء الدموع نور.

سلامٌ عليك يوم جاهدتَ، ويوم ثبتَّ، ويوم لقيتَ ربَّك راضيًا مرضيًّا.

سلامٌ على روحٍ رأت في الفناء بقاءً، وفي اللقاء فوزًا، وردّدت كما ردّد جدّك: فزتُ وربّ الكعبة.

يمضي السابقون، فيلحق بهم اللاحقون، ويبقى الخطّ ممتدًّا من قلبٍ إلى قلب، ومن جيلٍ إلى جيل.

أعظم الله أجورنا وأجوركم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الكلمات المفتاحية
مشاركة