اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي حرب "إسرائيلية" على الأطفال: تشوّهات قاتلة وجراح مُعقّدة

مقالات مختارة

mtv أخرجت «مسيحيّي المناطق الحدودية» عن الملّة!
مقالات مختارة

mtv أخرجت «مسيحيّي المناطق الحدودية» عن الملّة!

44

غادة حداد_صحيفة الأخبار

يسعى بعض المنابر الإعلامية في لبنان، وفي مقدّمتها شاشة «أم تي في»، إلى تقديم المسيحيين كجسم سياسي واجتماعي واحد، كأنهم كتلة متطابقة لا اختلافات داخلها. في هذا التصوير، تختفي حقيقة بسيطة يعرفها أي متابع للشأن اللبناني، بأنّ المسيحيين، مثل غيرهم من اللبنانيين، أفراد وجماعات متعدّدة الآراء والانتماءات السياسية والاجتماعية، لا كتلة صمّاء تُختزل في موقف واحد.

سردية مهيمنة
المفارقة أنّ الخطاب نفسه الذي يعترف بتنوّع الآخرين ينكره على المسيحيين. في حين يجري تسليط الضوء على أصوات شيعية معارضة لـ «حزب الله» بوصفها دليلاً على التعدد وحرية الرأي، تُقدَّم الساحة المسيحية في خطاب هذه المنابر كأنها متجانسة بالكامل. ومَن يخرج عن الرواية التي تُروَّج عبر شاشاتها يُتَّهم بالخيانة أو يُشكَّك في مسيحيته. هكذا يتحوّل الإعلام من مساحة لنقل الاختلاف داخل المجتمع، إلى أداة لضبطه وإقصاء الأصوات التي لا تنسجم مع السردية المهيمنة.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بانحياز سياسي، بل بطريقة أعمق يُعاد عبرها إنتاج المجتمع طائفياً عبر اللغة الإعلامية نفسها. فالإعلام لا يكتفي بوصف الانقسامات، فهو يسهم في صناعتها وتثبيتها. عندما تُستخدم تعابير مثل «مسيحيو المناطق الحدودية» أو «الشارع الشيعي»، يجري اختزال جماعات اجتماعية وسياسية متعددة في كتل طائفية متخيّلة، كأنّ الطائفة هي الوحدة الطبيعية الوحيدة لفهم المجتمع.

تتضاعف خطورة هذا الخطاب في زمن الحرب. في لحظات كهذه، يصبح ضرورياً التحلي بالحد الأدنى من المسؤولية الإعلامية، لأنّ البلد يقف بين خطرين متوازيين، من جهة القصف الإسرائيلي، واحتمال تصاعد الاحتقان الداخلي حتى الاقتتال من جهة أخرى. مع ذلك، يستمر خطاب المحطة في تغذية الانقسامات الطائفية وإعادة فرز اللبنانيين ضمن قوالب جماعية مغلقة.

استغلال الوجع
في نشرتها مساء العاشر من آذار (مارس) الجاري، بثّت القناة تقريراً بعنوان «مسيحيو المناطق الحدودية يرفعون الصوت». تناول التقرير قرى رميش والقليعة وجديدة مرجعيون وبرج الملوك وعلما الشعب، على أنهم ضحايا صراع لا علاقة لهم به، في خطاب يفصل بين سكان هذه القرى عن جوارهم من قرى الجنوب، ويعيد تقديمهم كجماعة طائفية مستقلّة عن محيطها.

في إحدى التغطيات، بثت القناة اتصالاً تلقّاه أحد سكّان بلدة رميش من ضابط اسرائيلي يحذّره من استقبال أحد من «بيئة الحزب» وإلا ستُستهدف البلدة. كما سبق وركزت القناة على هذه القرية بوصفها عكس محيطها لأنّها مسيحية. كما جرى استغلال استشهاد كاهن رعية بلدة القليعة الأب بيار الراعي بالقصف الإسرائيلي لتوجيه الاتهام إلى «حزب الله». في هذه الحالات، تختفي إسرائيل تقريباً من المشهد، كأنّها ليست الجهة التي قصفت وقتلت. لا يُسأل عن العدو الذي يقتل منذ أكثر من عامين، بل يُسأل فقط عن سبب مواجهته.

وقد سبق أن أكّد الأب تمسّكه بالبقاء في القليعة، وهو الموقف نفسه الذي عبّر عنه سكان هذه القرى في موقفٍ شجاع يعكس عمق تعلّقهم بأرضهم، ويُسقط في الوقت نفسه الصبغة التي تحاول القناة إلصاقها بهم. فالبقاء في الأرض في مواجهة الخطر يُعدّ أحد أهم عوامل الصمود في وجه الاحتلال.
نقل معاناة الناس في زمن الحرب أمر طبيعي وضروري. لكن لهذا النقل شروطه، أولها المسؤولية المهنية. المسؤولية تعني ألّا تُجتزأ آراء المواطنين لخدمة أجندات إعلامية مسبقة، وألّا يُعاد تركيب الوقائع لتناسب الرواية التي ترغب وسيلة إعلامية في تسويقها.

قمع التنوع
الواقع أنّ المسيحيين في لبنان لم يكونوا يوماً كتلةً سياسية واحدة في ما يتعلق بالصراع مع إسرائيل. انقسموا، مثل بقية اللبنانيين، بين مشاريع متعارضة، فمنهم من اختار المقاومة، ومنهم من اختار التعامل مع العدو أو التنسيق معه، ومنهم من حاول البقاء خارج الصراع أصلاً.

يكشف التاريخ اللبناني نفسه بوضوح زيف فكرة «الكتلة المسيحية الواحدة». لدى اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، لم تنشأ المقاومة ضد الاحتلال من بيئة طائفية واحدة. في بداياتها، كانت مقاومة يسارية ضمّت الشيوعيين والقوميين والناصريين وغيرهم من القوى الوطنية. وكان حضور المسيحيين واضحاً فيها، سواء في القيادة السياسية أو في العمل الميداني، لا كممثلين لطوائفهم بل كمواطنين يعتبرون الاحتلال عدواً.

لم تكن هذه التجربة لبنانية فقط. فـ «داخل الحركة الوطنية اللبنانية»، وفي إطار العمل المشترك مع الفصائل الفلسطينية، شارك أيضاً مسيحيون فلسطينيون في القتال ضد إسرائيل ضمن التنظيمات اليسارية الفلسطينية أو في إطار التعاون العسكري مع القوى اللبنانية. في تلك المرحلة، كان الانتماء السياسي والأيديولوجي هو المحدد الأساسي للتموضع في الصراع، لا الانتماء الطائفي.

عزل الطائفة
الخطاب الإعلامي الذي يدّعي الدفاع عن «المسيحيين» عبر تقديمهم ككتلة واحدة في مواجهة الآخرين ينتهي عملياً بإلحاق الضرر بهم أنفسهم. إذ يسلبهم تنوّعهم السياسي ويضعهم داخل تعريف ضيق للهوية. يصبح المسيحي الذي يؤيد المقاومة أو يعارض الخطاب اليميني، مثلاً، خارج «التعريف المقبول» لمسيحيته.

بهذا المعنى تتحول الطائفة إلى نوع من القفص الرمزي. لا يعود الفرد مواطناً يختار موقفه السياسي، بل ممثل مفترض لجماعة يُفترض أن تتصرّف بطريقة محددة. كما يؤدي هذا الخطاب إلى عزل المسيحيين عن المجتمع اللبناني، وخلق مسافة رمزية بينهم وبين بقية المجتمع، كما كانت حالهم خلال سنوات الحرب الأهلية.

توحي الطائفية الإعلامية كأنّها تمنح الطائفة وزناً أكبر، لكنها في الواقع تحصر تمثيلها في عدد محدود من القوى السياسية التي تدّعي التحدث باسمها. وعندما ينجح خطاب ما في إقناع الناس بأن طائفةً كاملة تفكر بطريقة واحدة، فإنّ أي صوت مختلف داخلها يصبح هامشياً أو مشكوكاً فيه.

تعيد هذه المقاربة إنتاج ما يمكن تسميته منطق «الأقليات الخائفة». حين تُعرَّف جماعة دائماً عبر الخطر المحيط بها أو عبر التمايز عن الآخرين، يصبح خطابها السياسي محكوماً بمنطق الدفاع الدائم لا بمنطق المبادرة أو المشروع الوطني الأوسع. في النهاية، تتحول السياسة إلى إدارة خوف لا إلى إنتاج رؤية للمجتمع.

المفارقة أنّ الخطاب الذي يدّعي حماية المسيحيين ينتهي بإضعاف موقعهم الحقيقي في المجتمع. فقوة أي جماعة داخل مجتمع متعدّد لا تأتي من عزلها داخل هوية مغلقة، بل من قدرتها على المشاركة في الفضاء السياسي الأوسع كمكوّن من مكوّناته، أبعد من كونها كانتوناً طائفياً.

الكلمات المفتاحية
مشاركة