اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بالفيديو: الموجة 78 من عمليات "الوعد الصادق 4"

مقالات

حين فاجأت المقاومة الجميع: قراءة في توقيت القوة ومعادلات الردع وسيناريوهات النهاية
مقالات

حين فاجأت المقاومة الجميع: قراءة في توقيت القوة ومعادلات الردع وسيناريوهات النهاية

81

Former Lebanese government coordinator to UNIFIL .Former Director General of Administration . Former President of the Permanent Military Court

عميد متقاعد في الجيش اللبناني/ منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات الطوارئ الدولية 
ورئيس المحكمة العسكرية السابق  

لم يكن دخول المقاومة في لبنان إلى ساحة المواجهة في هذا التوقيت تفصيلاً عابراً في مسار الصراع، ولا مجرد ردٍّ تقليدي على خرقٍ ميداني متكرر. ما حدث بدا أقرب إلى لحظة استراتيجية مكتملة العناصر، جرى فيها استثمار الظرف الإقليمي، وتوظيف عامل المفاجأة، وإعادة تعريف حدود القوة والردع في آنٍ معاً. المفاجأة هنا لم تصب الخصم وحده، بل طالت أيضاً بيئة المراقبين والحلفاء، الذين اكتشفوا أن ما تراكم خلال سنوات من الضغط والحصار، لم يكن تآكلاً بل إعادة تشكُّل أكثر صلابة ومرونة.

في خلفية المشهد، كانت المنطقة تعيش على وقع حرب إقليمية واسعة، استنزفت القدرات وشتّتت الأولويات. انخراط سلاح الجو "الإسرائيلي" في مسارح عمليات متعددة، والضغط المتزايد على منظومات الدفاع، خلقا حالة من التمدد العملياتي الذي يضعف التركيز ويزيد احتمالات الثغرات. هنا تحديداً، قرأت المقاومة المشهد ببرودة أعصاب، لا كمتفرج بل كطرف يملك القدرة على تحويل الانشغال إلى فرصة. فاختيار التوقيت لم يكن اندفاعاً، بل قراراً مبنيّاً على فهم عميق لتوازنات اللحظة: خصمٌ موزّع الجهد، وجبهة شمالية يمكن إعادة تفعيلها بشروط جديدة.

لكن ما منح هذه اللحظة وزنها الحقيقي، هو التزامن المدروس في النيران. لم تعد الضربات تأتي من اتجاه واحد أو وفق إيقاع يمكن احتواؤه، بل ضمن مشهد مركّب يفرض ضغطاً متعدّد المصادر على العمق "الإسرائيلي". الصواريخ التي استهدفت البنى الحساسة، بالتوازي مع صواريخ المقاومة من لبنان، لم تكن مجرد رسائل نارية، بل أدوات لإرباك منظومة القرار، وإجبارها على توزيع الدفاعات، وتقليص هامش المبادرة. في الحروب الحديثة، لا يُقاس التأثير فقط بحجم الدمار، بل بقدرة الضربة على إرباك الحسابات، وهذا ما تحقق بدرجة لافتة.

ميدانياً، برز التحول الأهم في طبيعة الاشتباك. فبدل الانجرار إلى مواجهة كلاسيكية تستفيد فيها "إسرائيل" من تفوقها الجوي والتكنولوجي، جرى نقل المعركة إلى مسافات قريبة، إلى ما يمكن وصفه بحرب الأعصاب على تماس مباشر. في هذه البيئة، تفقد التكنولوجيا جزءاً من تفوقها، وتعلو قيمة العنصر البشري والخبرة التراكمية. استهداف الدبابات بصواريخ مباشرة، والاشتباك من مسافات صفرية، لم يكونا مجرد تكتيك فقط، بل تعبيراً عن عقيدة تقوم على استنزاف الخصم، وكسر صورته كقوة لا تُمس في القتال البري.

ورغم الحشد الكبير الذي قُدّر بعشرات آلاف الجنود على الحدود، لم يتمكن الجيش "الإسرائيلي" من تحقيق اختراق ميداني حاسم. هذا العجز لا يُقرأ فقط من زاوية القدرة العسكرية، بل أيضاً من زاوية الكلفة المتوقعة. فالدخول في عمق بيئة قتال مُعدّة مسبقاً، ومشبعة بالخبرة والجاهزية، يعني فتح باب حرب استنزاف طويلة، لا يمكن حسمها سريعاً، ولا يمكن تحمل تبعاتها بسهولة على المستويين العسكري والمجتمعي داخل "إسرائيل".

في المقابل، استطاعت المقاومة أن تفرض قواعد ردع جديدة، لم تعد قائمة فقط على الرد مقابل الرد، بل على إدارة إيقاع المعركة نفسها. بمعنى آخر، باتت تملك القدرة على تحديد متى وكيف وأين يجري التصعيد، ضمن هامش محسوب يمنع الانفلات الكامل، لكنه يفرض معادلة ردع فعّالة. هذا النوع من الردع أكثر تعقيداً، لأنه لا يعتمد على ضربة واحدة، بل على تراكم عمليات ميدانية تعيد تشكيل توقعات الخصم.

ولفهم عمق هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى السنوات التي سبقتها. فقد تعرضت المقاومة لسلسلة من الضربات المركّبة: عمليات أمنية نوعية استهدفت بنيتها، حرب طويلة استنزفت بيئتها، حصار اقتصادي خانق، وضغوط سياسية مرتبطة بإعادة الإعمار، وصولاً إلى محاولات ابتزاز مستمرة عبر خروقات لاتفاق وقف إطلاق النار. هذه العوامل مجتمعة، لو تعرضت لها جيوش تقليدية، لكانت كفيلة بإضعافها أو شلّ قدرتها على المبادرة أو حتى استسلامها. لكن ما حدث كان معاكساً: إعادة بناء، وتطوير في القدرات، وتحوّل في العقيدة القتالية نحو مزيد من المرونة واللامركزية.

هنا تحديداً تكمن المفارقة التي فاجأت كثيرين: أن القوة التي بدت تحت الضغط، كانت في الواقع تعيد تشكيل نفسها بهدوء، بانتظار اللحظة المناسبة. وعندما جاءت تلك اللحظة، لم يكن الهدف فقط الرد على خرق، بل تثبيت معادلة جديدة: أن الاستنزاف لن يكون أحادي الاتجاه، وأن أي محاولة لفرض واقع ميداني بالقوة ستُقابل بكلفة مضاعفة.

يبقى سؤال التوقيت مفتاح الفهم. لماذا الآن تحديداً؟

أولاً، لأن الوضع الإقليمي وفّر عنصر الانشغال والتشتيت لدى الخصم، وهو عامل نادر لا يتكرر كثيراً. ثانياً، لأن تراكم الخروقات على مدى أشهر طويلة جعل من عدم الرد خياراً مكلفاً على مستوى الردع والمصداقية. ثالثاً، لأن لحظة التداخل بين الجبهات سمحت بإنتاج تأثير مضاعف، حيث لا يمكن فصل جبهة عن أخرى في حسابات الرد. رابعاً، لأن تثبيت قواعد جديدة قبل أي تسويات محتملة يمنح ورقة قوة في أي مسار سياسي لاحق.

كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟

إذا كان ما جرى حتى الآن قد أعاد رسم ملامح التوازن، فإن السؤال الأهم يتجه نحو النهاية: كيف يمكن أن تُطوى هذه المواجهة، سواء على المستوى الإقليمي المرتبط بإيران، أو على الساحة اللبنانية؟

على المستوى الإقليمي، تبدو السيناريوهات مفتوحة بين مسارين رئيسيين. الأول، مسار الاحتواء التدريجي، حيث تصل الأطراف إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار تفوق مكاسب التصعيد، فيُصار إلى وقف متدرّج للنار عبر وساطات دولية، مع بقاء التوتر قائماً لكن مضبوطاً. هذا السيناريو غالباً ما يترافق مع تفاهمات غير معلنة، تعيد تثبيت خطوط حمراء جديدة دون إعلان انتصار حاسم لأي طرف.

أما المسار الثاني، فهو الانزلاق نحو تصعيد أوسع قبل الوصول إلى التهدئة، بحيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي عبر ضربة نوعية أو إنجاز ميداني. هذا النوع من النهايات يكون أكثر كلفة وخطورة، لكنه ليس مستبعداً في ظل ديناميكيات الصراع الحالية، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالاعتبارات السياسية الداخلية لكل طرف.

وهذا السيناريو المرجّح، لأن هذا العالم تحكمه مجموعة مجانين مجرمين لا يمكن توقع إلى أي مرحلة يمكن أن يوصلوا هذه الحرب، خاصة أنها أصبحت حرباً مُستنزِفة لهم وأهدافهم فيها فشلت فشلاً ذريعاً.

فيما يتعلق بالساحة اللبنانية، فإن النهاية تبدو مرتبطة بشكل وثيق بنتائج المشهد الإقليمي، لكنها تحمل خصوصيتها أيضاً. فهناك احتمال أن يُعاد تثبيت وقف إطلاق النار ضمن صيغة أكثر صرامة، تقيّد الخروقات وتُدخل تعديلات على قواعد الاشتباك، بما يعكس التوازن الجديد الذي فرضته المقاومة. في هذا السيناريو، تكون المقاومة قد نجحت في تحويل المواجهة إلى ورقة قوة تُترجم سياسياً، سواء في ملف الحدود بانسحاب العدو من المناطق المحتلة، ووقف الخروقات والاعتداءات، وتسليم الأسرى، أو في معادلات الردع المستقبلية.

في المقابل، يبقى احتمال استمرار حالة اللاحرب واللاسلم قائماً، حيث تتراجع حدة الاشتباك دون أن تتوقف بالكامل، وتبقى الجبهة مفتوحة على جولات متقطعة، تُستخدم فيها القوة بشكل مدروس لتثبيت التوازن دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

أما السيناريو الأكثر تعقيداً، فهو محاولة فرض واقع ميداني جديد بالقوة، وهو خيار يحمل مخاطر كبيرة، نظراً لما أظهرته المواجهة من قدرة على الصمود والاستنزاف، ومن صعوبة تحقيق حسم سريع، دون إغفال ترابط الساحة اللبنانية مع الحرب الدائرة إقليمياً في إيران ومحيطها.

في جميع الأحوال، يبدو أن ما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها. فالمعادلات التي فُرضت بالنار، ستنعكس بالضرورة في السياسة، والرسائل التي كُتبت بالصواريخ، ستُقرأ على طاولات التفاوض.

في الخلاصة، لم تكن هذه المواجهة مجرد جولة إضافية في صراع طويل، بل محطة مفصلية أعادت تعريف القوة والتوقيت والردع. ومن يملك القدرة على فرض إيقاع المعركة، وقراءة لحظة الانقضاض، هو ذاته من يملك مفتاح الخروج منها بشروطه أو بشروط قريبة منها.

الكلمات المفتاحية
مشاركة