اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي يوآف ليمور: القلق والخلافات في المؤسسة الأمنية والعسكرية

مقالات

خريف الإمبراطورية… كيف سقطت أوراق ترامب في قبضة التنين؟
🎧 إستمع للمقال
مقالات

خريف الإمبراطورية… كيف سقطت أوراق ترامب في قبضة التنين؟

102

لم يعد الصراع في "الشرق الأوسط" مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين دولتين، بل تحوّل إلى لحظة انكسار تاريخية في جدار الهيمنة الأحادية. فالمشهد اليوم يوحي بأنّ دونالد ترامب، الذي دخل الحرب بتخطيط "إسرائيلي" وتحت وهم الضربة السريعة والحسم الخاطف، يجد نفسه، بعد شهرين من التصعيد، أمام نتيجة مغايرة تمامًا للحسابات الأميركية. فلا النظام في طهران سقط، ولا البرنامج النووي تراجع، ولا مضيق هرمز فُتح بالقوة، بل إنّ الهيبة الأميركية نفسها باتت تتآكل تحت وطأة استنزاف مستمر.

والواقع أنّ التقارير الغربية بدأت تُقرّ بأنّ الكثافة النارية الأميركية لم تحقق أهدافها، والسبب ليس فقط قوة إيران، بل دخول «التنين الصيني» إلى عمق المعادلة العسكرية والتقنية. فالصين، التي كانت تُعرف بالقوة الهادئة، انتقلت من الدعم السياسي إلى تزويد طهران بتقنيات التشويش والتمويه ومكوّنات المسيّرات، ما جعل الضربات الجوية تقع في فخ الأهداف الوهمية، وهو ما يفسّر سلامة المواقع النووية الإيرانية رغم تعاقب جولات الحرب.

إننا أمام معادلة جديدة أثبت فيها مضيق هرمز أنّ القوة البحرية التقليدية لم تعد كافية لحسم المعارك، فالإرادة المقترنة بالمسيّرات والصواريخ الأرضية استطاعت إغلاق شريان الطاقة العالمي من دون الحاجة إلى أسطول ضخم، ما وضع واشنطن أمام مأزق تاريخي يُرهق القوى البحرية التي تحاول فرض سيطرتها من البحر على خصم يقاتل من البر بثبات.

وفي هذا السياق، تبرز ورقة بحثية وتحليلية نشرتها صحيفة واشنطن بوست في شباط/ فبراير 2025 للكاتب والباحث ماكس بوت بعنوان «فشل الردع الأميركي في الشرق الأوسط»، حيث أشارت الصحيفة بوضوح إلى أنّ الولايات المتحدة وقعت في فخ التقديرات الخاطئة لموازين القوى الجديدة.

وأكد التقرير أنّ الضربات التي تعرضت لها القواعد الأميركية في المنطقة كشفت هشاشة الوجود العسكري التقليدي أمام تكتيكات المواجهة منخفضة التكلفة التي تتبعها إيران. كما شددت «واشنطن بوست» على أنّ واشنطن تستنزف مواردها وهيبتها في صراعات لا تملك لها مخارج سياسية واضحة، ما جعل القواعد العسكرية تتحول من نقاط قوة إلى أهداف مكشوفة تعاني من تآكل الردع وتدمير ممنهج للقدرات اللوجستية، الأمر الذي يعزز فرضية الانحطاط الإمبراطوري التي تحدث عنها خبراء آخرون.

ترامب اليوم يواجه حقائق قاسية؛ فلا نصر عسكريًا يلوح في الأفق، ولا قدرة على فرض شروط التفاوض، فيما يضغط الاقتصاد العالمي وأسعار النفط على الداخل الأميركي. وفي هذا التوقيت بالذات، يبرز الدور الصيني كلاعب يمسك بمفاتيح الحل والربط. فزيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بكين لم تكن محض صدفة، بل رسالة مفادها أنّ الصين هي من تحدد سقف الحرب وتمنع انفجارها الشامل، سعيًا وراء صراع مُدار يضمن لها نفطًا رخيصًا، واستنزافًا لمنافسها الأميركي، وتوسيعًا لنفوذها الهادئ.

إنّ الورقة الأخيرة الآن في يد بكين، وزيارة ترامب المرتقبة تمثل محاولة إنقاذ سياسي لتفادي أزمة عالمية قد لا يتحملها الاقتصاد الدولي.

وفي الضفة الأخرى، تبرز إيران «القارة» التي وصفها الأكاديمي والمدير السابق لقسم إيران في الخارجية البريطانية مايكل أكسورثي في كتابه إيران: إمبراطورية العقل الصادر عام 2007، بأنها حضارة أكثر منها مجرد أمة، فهي تمتلك قوة ناعمة وثقافية تجعل منها قارة ثقافية تمتلك أدوات صمود غير مرئية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
وتنتهج إيران اليوم استراتيجية «الانتصار بالنقاط»، وتحسن اللعب على تقاطعات المصالح الدولية. فبينما تتسم السياسة الأميركية بالتقلب والتخبط الذي يشبه تقلبات البورصة، تعمل طهران بنفس طويل ورؤية استراتيجية حولت ضربات العدوان إلى فرصة لفضح محدودية القوة الأميركية.

فالاستراتيجية الإيرانية القائمة على المواجهة منخفضة التكلفة مقابل تكبيد الخصم خسائر باهظة، أدخلت المؤسسة العسكرية الأميركية في حالة من الإحباط والتناقض بين القيادتين السياسية والعسكرية، وأثبتت أنّ من يمتلك الصبر الاستراتيجي والقدرة على توجيه الضربات في المناطق الرخوة هو من يكتب نصرًا استراتيجيًا يمتد لسنوات.

وبينما ينشغل العالم بصوت المدافع، هناك معركة أخرى تجري بصمت في قطاع التنمية والربط الإقليمي، حيث تبرز مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود كمؤشر على تحول المنطقة من منطق الصراع إلى منطق الربط. فإحياء سكة حديد الحجاز، بتوافق تركي ـ سوري ـ أردني، يمثل عمودًا فقريًا لممر بري يسعى إلى تجاوز اضطراب الممرات البحرية وارتفاع كلفة النقل. وهذا التحول يضع المنطقة أمام واقع اقتصادي جديد يعتمد على التكامل والنمو المشترك.

وفي المحصلة، نحن نشهد إعادة تشكيل للعالم من بوابة مضيق هرمز، ومن خلال سكك الحديد العابرة للحدود التي تؤشر إلى استعداد المنطقة للانتقال من منطق الصدام إلى منطق التنمية، في ظل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب لا يعترف إلا بالقوة والاقتصاد معًا.

الكلمات المفتاحية
مشاركة