اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي
المقال التالي مصير الحكومة والسلم بيد رئيس الجمهورية؟ السعودية تحرّض على الفتنة الطائفية

نقاط على الحروف

يوسف رجّي.. دبلوماسية الخزي الموثّق!
نقاط على الحروف

يوسف رجّي.. دبلوماسية الخزي الموثّق!

174

كاتبة من لبنان


منذ تولّيه وزارة الخارجية، دأب يوسف رجّي على إبهار العالم بارتكابات تعادي السيادة وتنافي كل معاني الكرامة الوطنية، وتتميّز بأنها جميعها غير مسبوقة في السلك الدبلوماسي في العالم.

منذ شهر شباط/فبراير 2025، مرّ نحو 13 شهرًا من الخضوع التام على مستوى الخارجية في لبنان، قلّ مثيله من منهجة الانبطاح واعتباره نمطًا مستحدثًا في العمل الدبلوماسي، ولم يكد يمر يوم خلالها من دون أن يقترف رجّي ما يُخزي البلد ويطأطئ رأس جميع حاملي جواز السفر اللبناني حول العالم، حتى بدا أن المسألة تتجاوز الاستجابة للأوامر الأميركية أو ما يعادلها بكثير؛ فالرجل لم يكتفِ بذلك، بل تعدّاه إلى المباهاة بالخضوع للأميركيين الذين لم يقصّروا في إهانته عبر إهانة سيادة البلد موفدًا بعد موفد.

تحوي ذاكرة اللبنانيين مواقف مختلفة مارس فيها رجّي الانبطاح الدبلوماسي، وتجاهل متعمدًا سيلًا من الانتهاكات المتلاحقة للسيادة الوطنية بحدها الأدنى، ولم يتجرأ أن ينبس ببنت شفة حيالها، رغم كونها مشهودة وعلنية وموثّقة: من ينسى مثلًا صمت الخارجية اللبنانية وتقصيرها المهول حيال الإهانة التي وجّهها الموفد الأميركي توم باراك للصحافيين مباشرة وللبنانيين عمومًا، من على منبر القصر الجمهوري، حين وصف سلوك الحاضرين بالسلوك الحيواني (animalistic)، وصمت الدبلوماسية المطبق حيال الأمر، بحيث حتى لم يحترم رجّي الشكليات المرعية، والتي تفرض أن يستدعي الموفد أو السفير الأميركي لإبلاغه استياء لبنان من الإهانة النافرة! ومن ينسى في السياق نفسه مشهد استدعاء مورغان أورتاغوس لرجّي إلى دارة السفيرة ليزا جونسون بدلًا من زيارته في مقر وزارته كما تقتضي الأصول الدبلوماسية، في زيارتها الأولى إلى لبنان، والتي وجب أن يتمسّك خلالها الوزير بالبروتوكولات المعتمدة فيرفض استدعاءه إلى مقر في سفارة، ويصر على احترام الأصول واستضافة الموفدة في وزارته.

 لا تنتهي لائحة المشاهد التي حفظها اللبنانيون عن مواقف تجاهل فيها يوسف رجّي الإساءات العلنية، والتي استجاب خلالها لسلطة الموفدين الأميركيين عليه بكل خضوع ممكن، ومنها ما تناقله الإعلام بشكل مكثّف عن الحوار الذي سألته فيه أورتاغوس، بلهجة المعلّم في القرون الوسطى إن خاطب تلميذًا بعد تلقينه الدرس مرات عدة: "هل ستزور إيران؟" ليجيب مبتهجًا بكونه حافظًا للدرس، بأنه قد يلتقي نظيره الإيراني، وأين الثرى من الثريا، ولكن خارج إيران. المشهد على سخافته مهين جدًا، ولا سيما على المستوى الشخصي، ويستحضر تمامًا مشهدية الأسلوب الذي يتعاطى فيه سيد مع عبد، كما قد يتخيله المرء. جرت كل هذه الإهانات وغيرها، من دون أن تستفز يوسف رجّي لمرة واحدة، وتدفعه إلى إجراء سيادي، ولو شكلي، يحفظ له ماء وجهه في الواقع وموقفًا مشرّفًا للتاريخ.

جرت العادات الدبلوماسية حتى في الدول الخاضعة للسيطرة الأميركية على مراعاة صورة السيادة المتمثلة بوزارة الخارجية، وإظهار ولو بعض الاحترام الشكلي للبروتوكولات المعتمدة. إلا أن مقدرة رجّي المتقدمة على التعبير عن الخضوع دفعت بالأميركيين لإسقاط جميع شكليات الاحترام، وحوّلوا الرجل، الذي يتفاخر بقوّتجيّته، إلى أضحوكة الدبلوماسية حول العالم عبر التعاطي معه جهارًا كدمية تحرّكها أصابعهم، وتتلو عليه بشكل دوري ما عليه أن يقول، وبالطبع ما هو ممنوع عليه قوله. وللأمانة، أظهر رجّي كل طواعية ممكنة في هذا الإطار، فلم يتجرأ ولو شكليًا على إدانة الاعتداءات "الإسرائيلية" على لبنان طوال خمسة عشر شهرًا من الانتهاك اليومي، وحين تحدّث عنها محرجًا بعد سؤال صحفي في شهر كانون الأول/ديسمبر، ذهب إلى حد اعتبارها حقًا طبيعيًا تمارسه "إسرائيل". وحينها، حتى الإعلام العبري أخذه الذهول، فالرجل تفوق على جميع المتحدثين بالعبرية في تبرير ما يرتكبه كيانهم بحق لبنان واللبنانيين. ثم عاد بعدها ليذهل الصهاينة بخبر اخترعه عنهم، وسارعوا حينها إلى تكذيبه، تحديدًا في شباط/فبراير 2025، حين قال إن "إسرائيل تستعد لضرب مطار بيروت". وعلى سبيل التذكير بالشيء فقط، كان وزير الخارجية الأسبق المرحوم عبد الله بوحبيب قد تقدّم إلى مجلس الأمن باثنتين وعشرين شكوى رسمية حيال الاعتداءات "الإسرائيلية" على لبنان خلال خمسة أشهر فقط، فيما على مدى ثلاثة عشر شهرًا من تولي رجّي منصب وزير الخارجية، لم يتعدّ عدد الشكاوى المقدّمة الثلاث، والتي وردت بلغة خجولة، على الرغم من تسجيل مئات الاعتداءات والاغتيالات والتفجيرات التي ارتكبها كيان العدو ضد لبنان في الفترة نفسها. بكلام آخر، في خضم انشغال يوسف رجّي بتسطير المآثر الانبطاحية، نسي متطلبات وظيفته كوزير للخارجية بحدها الأدنى، ولم يُسجّل له أي أداء وظيفي، إلا إذا جرى احتساب غزوته مبنى الوزارة والصراخ على الموظفين فيها عملًا وزاريًا!

هل اكتفى يوسف رجّي بهذا المستوى المريع من الأداء الوظيفي والدبلوماسي؟ بالطبع لا. استحدث نظرية أذهلت جميع مدارس الدبلوماسية حول العالم: "دبلوماسية البكاء"، إذ عبّر صراحة عن ضرورة "البكاء للأميركي" والتذلل له لتحصيل الحقوق اللبنانية، وذلك بعد قيام لبنان بتنفيذ كافة الشروط التي تطلبها الولايات المتحدة الأميركية. بمعنى آخر، بلغ الرجل في الذل حدًا غير مسبوق: يريد فرض تنفيذ الشروط والرغبات والأوامر الأميركية، وبعدها البكاء لديهم كي يمنحوا لبنان شيئًا من حقوقه! كيف لا، وقد كنا جميعًا نتفرج على ملامح انعدام السيادة الوطنية في محيّاه كلما وقف بالقرب من موفد أميركي، وتبسّم ببهجة لسيل الإهانات التي يكيلها هؤلاء للسيادة ولكل البلد؟

إذًا، يمكن القول إن رجّي مبرمج بشكل مسبق ومتقن على ما يمكن تصنيفه بالذل الدبلوماسي، بحيث إنه يتصرف بصلافة استعراضية مع كل من يتعاطون معه باحترام، ليس بالضرورة لشخصه بل لما يمثّل رسميًا، لذلك رأيناه مرارًا يناطح أشباحًا في خياله كلما تحدّث دبلوماسي إيراني، ويستشيط غضبًا مشهديًا إن أجاب سفير إيراني عن سؤال عام يتعلق بالوضع اللبناني، أو قارب الأزمة في لبنان بحديث عام، كما فعل في نيسان/أبريل 2025، إذ استدعى السفير الإيراني السيد مجتبى أماني بعد تغريدة له على موقع إكس (تويتر سابقًا). 
ولمّا شعر رجّي أن السفارة الإيرانية تتعاطى معه باحترام وضمن الأصول الدبلوماسية والأخلاقية، بما يخالف برمجيته، ذهب اليوم في تماديه غير القانوني حد استدعاء القائم بالأعمال الإيراني في لبنان، لإبلاغه قرار سحب الموافقة على اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني، والطلب إليه مغادرة لبنان قبل يوم الأحد المقبل! هذه السابقة العدوانية تأتي من دون مسوغ دستوري أو قانوني، وتخالف الأصول الدبلوماسية، وتخالف جميع الاتفاقيات الدبلوماسية المرعية الإجراء، وكذلك تدل على تعدي رجّي على صلاحيات لا يملكها، إذ إن قرارًا كهذا يتطلب إجماعًا حكوميًا، وليس خاضعًا لمزاج وزير خارجية ينسى حقيقة وظيفته ويتصرف كرئيس جهاز العلاقات الخارجية في حزب القوات اللبنانية ليس إلا. وأكثر من ذلك، يمثّل هذا الإجراء الذهاب إلى أقصى الانبطاح والخضوع للأميركي، والتماثل معه ضد دولة صديقة للبنان، بغض النظر عن رأي يوسف رجّي كقواتي له رؤيته الخاصة ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، ولا سيما أن الدبلوماسية الإيرانية في لبنان والعالم لم تسجّل أي انتهاك للأصول المرعية الإجراء، على عكس العديد من السفارات وعلى رأسها الأميركية، والتي نكّلت مرارًا بالسيادة وبالأصول وبالبروتوكولات، من دون أن تواجهها وزارة الخارجية ولو بكلمة استنكار. وإن كانت التعليمة العوكرية قد حكمت على المدعو رجّي باتخاذ هذا القرار، ولا يمتلك حيال عوكر لا حولًا ولا قوة ولا حتى كرامة، فوجب عليه الرد بتكرار شعارات الحياد التي كانوا قد لقّنوه إياها طوال الأشهر الثلاثة عشر الأخيرة.

يشكّل هذا القرار عدوانًا صريحًا لا على الدبلوماسية الإيرانية فحسب، بل على الدبلوماسية اللبنانية نفسها، ولذلك استدعى ردود فعل رافضة له، وعلى رأسها ما قاله رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري، الذي توجّه إلى رئيس الجمهورية جوزف عون بالقول: "قرار طرد السفير الإيراني لن يمر ولن يتم التعامل معه بصفته قرارًا عابرًا يمكن القبول به في أي ظرف من الظروف"، وأصدر حزب الله بيانًا استنكر فيه هذا القرار، واعتبره "خطوة متهورة ومدانة لا تخدم مصالح لبنان الوطنية العليا ولا سيادته ولا وحدته الوطنية، بل تشكّل انقلابًا عليها وانصياعًا واضحًا للضغوطات والإملاءات الخارجية، وتعديًا صارخًا على صلاحيات رئيس الجمهورية"، ورأى أن "الذرائع الواهية التي استند إليها هذا القرار التعسفي باتهام السفير بالتدخل بالشؤون الداخلية للبنان، تأكيد إضافي على أنه قرار كيدي سياسي بامتياز، يفتقر إلى الحد الأدنى من الحكمة والمسؤولية الوطنية". كذلك أجمعت مختلف الأصوات المتزنة في البلد على رفض القرار، مع الإشارة إلى أنه حظي بترحيب وزارة الخارجية في كيان العدو التي وصفته بـ"خطوة مبرّرة وضرورية".

هذه الفضيحة الدبلوماسية تضاف إلى مسلسل الفضائح التي ارتكبها يوسف رجّي منذ تسميته وزيرًا للخارجية، وهي وإن كانت تُصنّف ذلّة، فالقاصي والداني يعلمان أن هذا السلوك الذليل حيال العدو، والعدواني حيال الصديق، لا يمثّل لبنان ولا اللبنانيين، وبالكاد يمثّل شخص رجّي وبعضًا من رفاقه.

أما بعد، بعد عام وشهر من الآثام الدبلوماسية المتتالية، تفوّق السفير السابق يوسف رجّي المتهم بالتحرّش في المغرب، والذي يسمي نفسه بالتيس، في مذلّة جديدة، مذلّة تثبت مرة بعد مرة أنه فعلًا "مش هينة تكون قوات!". وهنا، يمكن لرجّي أن يبتسم لتسبّبه بإدهاش عالم الدبلوماسية مرة جديدة، عبر تطويره لنظرية البكاء التي باتت اليوم دبلوماسية الخزي. هنيئًا له هذا الإنجاز، عساه يكون مدعاة تخفيف من نبرة التقريع التي يعتمدها معه الدبلوماسيون الأميركيون وغيرهم!

الكلمات المفتاحية
مشاركة