اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي
المقال التالي "القوتجي" رجي بين دبلوماسية "الإخفاء القسري" و"دبلوماسية التباكي" على أعتاب السفارات

مقالات

مقالات

"نظرية المنطقة العازلة": إعادة إنتاج تهديد المستوطنات الشمالية

111

إن مقاربة "المنطقة العازلة" التي يعمل العدو على فرضها في جنوب لبنان لا يمكن فهمها من خلال زاوية واحدة، لأنها في جوهرها ليست مجرد خيار عسكري أو أمني، بل لحظة تقاطع بين سياق ضاغط، وتفاعل استراتيجي مفتوح، وبنية إدراكية قد تكون مختلة أو على الأقل غير مكتملة. فالسياق الذي نشأت فيه هذه الفكرة -ما بعد صدمة فشل الردع التي كشفتها عملية طوفان الأقصى وما تلاها- دفع صانع القرار "الإسرائيلي" إلى البحث عن بدائل تتجاوز الأدوات التقليدية، ليس فقط عبر استهداف قدرات الخصم، بل عبر إعادة تشكيل المجال الذي يعمل فيه. هنا، تبدو المنطقة العازلة كحل “منطقي” داخل هذا السياق: نقل التهديد إلى مسافة أبعد، وتقليص الاحتكاك المباشر، وطمأنة الداخل عبر خلق انطباع بالسيطرة.

غير أن هذا المنطق، على تماسكه الظاهري، يدخل فورًا في شبكة تفاعلات لا يمكن ضبطها أحاديًا. فالمنطقة العازلة، من منظور "إسرائيلي"، قد يُسوّقها العدو على أنها أداة احتواء، إلا أنها في الواقع وبنظر الطرف المقابل محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك وفرض معادلة جديدة بالقوة. هذا الاختلاف في القراءة لا يبقى على مستوى التفسير، بل يتحول إلى سلوك: كل خطوة تهدف إلى تقليص التهديد قد تُستقبل كتصعيد يستدعي ردًا، ما يعيد إنتاج التهديد بأشكال مختلفة، وربما بهامش أوسع. وهكذا، تتحول المنطقة العازلة من “مفهوم دفاعي” إلى دينامية داخل لعبة استراتيجية مستمرة، حيث لا تُقاس النتائج بما تنوي "إسرائيل" تحقيقه، بل بكيفية تفاعل المقاومة مع هذه الخطوة.

في هذا المستوى التفاعلي، يصبح نجاح العدو في هذا الخيار مرهونًا برد المقاومة وبما إذا كانت تقود إلى توازن جديد أو إلى مسار تصعيدي مفتوح. وهنا يظهر عنصر حاسم غالبًا ما يُغفل: البعد الإدراكي. فنجاح هذا الخيار الاستراتيجي العملياتي لا يتوقف فقط على دقة أدواتها، بل على صحة افتراضاتها حول كيفية فهم الطرف الآخر لها. إذا كانت "إسرائيل" تفترض أن فرض وقائع جغرافية سيُترجم إلى ردع، بينما يُفهم ذلك من المقاومة وسكان الجنوب وبقية لبنان على أنه تهديد يستدعي كسر هذه الوقائع، فإننا نكون أمام فجوة إدراكية تنتج دينامية تصعيدية على خلاف الطموح "الإسرائيلي" بفرض الأمن في الشمال. بمعنى آخر، الخطر لا يكمن فقط في القرار، بل في كيفية التعامل معه من قبل الآخرين.

هذا الخلل الإدراكي يتقاطع مع بُعد آخر أكثر عمقًا، يتعلق بسقف التوقعات. فحين تُقدَّم المنطقة العازلة داخليًا كحل قادر على إنتاج “أمن كامل”، فإنها تُحمَّل بوظيفة لا يمكن تحقيقها في بيئة تهديدات غير متناظرة بطبيعتها. هنا، لا يكفي أن تنجح الاستراتيجية جزئيًا؛ إذ إن أي خرق، ولو كان محدودًا، يُعاد تفسيره كفشل شامل، بسبب الفجوة بين الوعد والواقع. وبذلك، تتحول الاستراتيجية التي تهدف إلى تعزيز الشعور بالأمن إلى عامل يفاقم هشاشته عند أول اختبار.

عند هذه النقطة، تتقاطع الطبقات الثلاث: فالسياق يدفع نحو خيار يبدو عقلانيًا، والتفاعل يحوّله إلى مسار مفتوح وغير قابل للضبط، وسوء الإدراك يعمّق احتمالات الانحراف عن النتائج المقصودة. ومن هذا التقاطع تنبثق المفارقة: السعي إلى تقليص التهديد عبر توسيع مجال السيطرة قد يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة نفسها، وإلى إنتاج بيئة احتكاك دائم بدل الحد منه، لأن منطقها الداخلي لا يصمد عندما يُختبر داخل نظام تفاعلي مع خصم يمتلك قراءته الخاصة وحوافزه الخاصة.

في المحصلة، لا تبدو المنطقة العازلة حلًا حاسمًا بقدر ما هي محاولة لإعادة ترتيب شروط المواجهة في بيئة يصعب ضبطها. فالمقاربة التي تقوم على إبعاد التهديد عبر إعادة تشكيل الجغرافيا تصطدم بواقع أن التهديدات غير المتناظرة لا تُلغى بالمسافة، بل تتكيّف معها وتجد طرقًا لتجاوزها. وإلى جانب ذلك، فإن الفجوة بين ما يُراد تحقيقه وما يُفهم من قبل الطرف المقابل، تفتح الباب أمام ديناميات تفاعلية قد لا تنتهي عند حدود الاحتواء، بل تتجه نحو إعادة إنتاج التهديد بأشكال أكثر مرونة وتعقيدًا.

وعليه، فإن هذه الاستراتيجية، رغم ما قد تحققه من مكاسب تكتيكية ظرفية، قد تسهم في تعميق المأزق الأمني للعدو. وفي ظل ارتفاع سقف التوقعات الداخلية، تتزايد احتمالات أن تتحول المنطقة العازلة من أداة لضبط الصراع إلى عامل إضافي في توسيعه. ومن هذا المنظور، لا يُستبعد أن يكشف اختبار الزمن حدود هذه المقاربة، وربما عجزها عن تحقيق الاستقرار الذي وُضعت من أجله.

الكلمات المفتاحية
مشاركة