مقالات
انتهجت "إسرائيل" سياسة الضربة الخاطفة في تصعيدها العسكري، على أمل إحداث انهيار سريع في محور المقاومة عبر استهداف قياداته، وصولًا إلى اغتيال قائد الأمة السيد علي الخامنئي (قدس). إلا أن هذا التقدير لم يحسب تحوّل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة، ترتد آثارها بشكل مباشر على الاقتصاد "الإسرائيلي". وفي هذا السياق، تبرز الكلفة الاقتصادية كعنصر حاسم في تحديد مسار الحرب ونهايتها.
دخلت "إسرائيل" هذه الحرب باقتصاد منهك أساسًا. فبحسب بلومبرغ، خسرت "إسرائيل" نحو 8.6% من ناتجها المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 57 مليار دولار خلال العامين حتى 2025، نتيجة حالة الصراع شبه المستمر. ومع اندلاع الحرب مع إيران، وجد الاقتصاد "الإسرائيلي" نفسه أمام تحدٍّ مزدوج: تمويل العمليات العسكرية من جهة، واحتواء الانكماش الاقتصادي من جهة أخرى.
على مستوى التكاليف المباشرة، تكشف الأرقام عن وتيرة إنفاق مرتفعة للغاية. بحسب "هآرتس"، فقد بلغ إنفاق "الجيش الإسرائيلي" خلال العشرين يومًا الأولى نحو 6.4 مليار دولار، بمتوسط يومي يقارب 320 مليون دولار. وخُصصت ميزانية إجمالية للحرب تُقدَّر بـ12.5 مليار دولار، مع توقعات بزيادتها في ظل استمرار العمليات. وفي تقرير آخر لوكالة الأناضول ظهرت أرقام مرتفعة جدًا، فكلفة أنظمة الدفاع الصاروخي تراوحت بين 10 ملايين و200 مليون دولار يوميًا، في حين بلغت النفقات العسكرية في الأسبوع الأول من الحرب نحو 5 مليارات دولار، بمتوسط 725 مليون دولار يوميًا، ما يعكس مستوى عاليًا من الاستنزاف المالي.
ولم تقتصر النفقات على العمليات العسكرية فقط، بل شملت أيضًا تخصيص موازنات طارئة لشراء مستلزمات أمنية عاجلة، في ظل تقارير عن نقص في صواريخ الاعتراض، ما يظهر ضغطًا متزايدًا على القدرات الدفاعية والمالية للعدو في آنٍ واحد، ما دفع الجيش إلى التحضير لطلب تمويل إضافي. ووافقت الحكومة "الإسرائيلية" على تخصيص ميزانية طارئة بقيمة 825 مليون دولار لشراء مستلزمات أمنية عاجلة. ومن المتوقع أن تعدّل "تل أبيب" خطة إنفاقها لعام 2026 لتمويل عمليات الشراء، وفقًا لما ذكرته القناة الثانية عشرة "الإسرائيلية".
أما على صعيد التكاليف غير المباشرة، فتتجلى في التأثير العميق على النشاط الاقتصادي. فقد حذّرت وزارة المالية "الإسرائيلية" من أن كلفة الحرب قد تصل إلى 3 مليارات دولار أسبوعيًا في حال استمرار القيود على النشاط الاقتصادي. ويعود ذلك إلى تعطّل قطاعات واسعة نتيجة إغلاق المؤسسات التعليمية، واستدعاء أعداد كبيرة من العاملين للخدمة الاحتياطية، إضافةً إلى القيود الأمنية التي تعيق حركة الإنتاج والعمل. وعليه، طلب المدير العام لوزارة المالية "الإسرائيلية" إيلان روم من قائد قيادة الجبهة الداخلية اللواء شاي كلابر تخفيف القيود للسماح بإعادة فتح تدريجي وجزئي للشركات وأماكن العمل، وامتنعت قيادة الجبهة الداخلية في "الجيش الإسرائيلي" عن التعليق، بحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".
ويُظهر هذا الواقع حجم التأثير على العجلة الاقتصادية، حيث تتعطّل قطاعات واسعة نتيجة إغلاق المؤسسات التعليمية واستدعاء الاحتياط، ما يحدّ من القدرة الإنتاجية ويؤدي إلى انخفاض الإيرادات الضريبية. وقد أشار الخبير الاقتصادي "الإسرائيلي" إستيبان كلور، أستاذ الاقتصاد في الجامعة العبرية، في حديث لـ"ـتايمز أوف إسرائيل"، إلى أن التكلفة المباشرة للقتال المستمر تشكّل العبء الرئيسي على الاقتصاد، متجاوزةً حتى تأثيرات ارتفاع أسعار الطاقة. فالحكومة مضطرة لزيادة الاقتراض وتمويل العجز، وهو ما يعني ترحيل كلفة الحرب إلى المستقبل، مع ما يحمله ذلك من أعباء على الاستقرار المالي.
إلى جانب ذلك، تكشف مؤشرات أخرى عن ضغوط إضافية، مثل لجوء الجيش إلى استخدام ذخائر قديمة أقل دقة بهدف خفض التكاليف، ما يعكس محاولة لإدارة الموارد في ظل ارتفاع كلفة العمليات. فقد ذكرت هيئة البث "الإسرائيلية" "كان" أن "الجيش الإسرائيلي" ينشر أسلحة "مخزّنة منذ نصف قرن" لضرب قواعد عسكرية في إيران. ويهدف هذا الإجراء، بحسب التقرير، إلى "خفض التكاليف وتصريف المخزونات القديمة".
إلى جانب ذلك، تكبّد الاقتصاد "الإسرائيلي" خسائر مادية مباشرة نتيجة الأضرار الناجمة عن الهجمات. فقد أعلنت مصلحة الضرائب "الإسرائيلية" تسجيل أكثر من 10,000 مطالبة تعويض (10,314 مطالبة) حتى منتصف آذار 2026، شملت 7,250 مطالبة عن أضرار في المباني، و1,770 مطالبة عن أضرار في المركبات، و1,130 مطالبة عن أضرار في الممتلكات والمعدات. وتركّزت هذه الأضرار جغرافيًا في مناطق حيوية، حيث سُجّلت نحو 5,300 مطالبة في "تل أبيب" و3,900 في عسقلان، إضافةً إلى مطالبات في القدس وعكا وطبريا.
إن جوهر المسألة يكمن في أن الاقتصاد يفرض إيقاعه على الحرب، فكلما ارتفعت الكلفة، تقلّص هامش المناورة السياسية والعسكرية، ومع استمرار الاستنزاف، يصبح القرار العسكري محكومًا بقدرة الاقتصاد على التمويل، لا فقط بالاعتبارات الميدانية. وعليه، فإن مسار الحرب لا يتحدد فقط بما يجري على الأرض، بل بما يجري في الخزينة العامة. فحين يصل الاقتصاد إلى حدوده القصوى، تتحوّل الكلفة إلى عامل ضغط يدفع نحو إعادة الحسابات، وربما نحو إنهاء الحرب نفسها. في النهاية، قد لا تكون الضربة العسكرية هي التي تحسم المواجهة، بل الكلفة الاقتصادية التي تفرض سقفًا واقعيًا للاستمرار. هنا، يتحوّل الاقتصاد من مجرد أداة دعم إلى عنصر حاسم يرسم مسار الحرب ونهايتها.