اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي
المقال التالي المنطقة العازلة: إعادة إنتاج الفشل في بيئة عملياتية أكثر تعقيدًا

مقالات مختارة

سيكولوجيا الصمود: الجذور البنيوية لصلابة
مقالات مختارة

سيكولوجيا الصمود: الجذور البنيوية لصلابة "بيئة المقاومة"

54

د. محمد موسى علوش - صحيفة الأخبار

تبرز «بيئة المقاومة» في اللحظات التاريخية الحرجة ككتلة اجتماعية صلبة تعصى على التفكيك، وتطرح أمام الباحث في علم النفس الاجتماعي تساؤلات تتجاوز التفسيرات المادية التقليدية؛ ففي مواجهة آلة دمار تهدف إلى «كي الوعي» واقتلاع الجماعة من حيزها الجغرافي والمعنوي، يبرز صمود هذه البيئة ليس كفعل عاطفي عابر، بل كحال بنيوية متجذرة في الوجدان الجمعي.

إنّ هذا المشهد يفرض علينا مقاربة علمية إبستيمولوجية (معرفية) تفكك عناصر هذه القوة الكامنة، وتستنطق الجذور التي تجعل من «الإنسان» في هذه البيئة حائط صدّ منيعاً أمام أعنف استراتيجيات إدارة الإدراك والترهيب النفسي، ومن هنا، تبرز جملة من التساؤلات التأسيسية: ما هي المحددات التي تُشكل «الاستعداد» النضالي لهذه البيئة؟ وكيف تتحول «الهوية الجماعية» إلى درع سيكولوجي يحمي الفرد من الانهيار؟ ولماذا تفشل القوة المادية في اختراق «منظومة المعنى» رغم كثافة النيران؟ وهل الصمود هنا حال اضطرارية أم هو فعل «عقلانية وجودية»؟

أولاً، تستمد هذه البيئة صلابتها من «الذاكرة الجمعية» و«التجربة التاريخية» التي صقلت وعيها عبر عقود من الاشتباك المباشر. إنها ليست وليدة اللحظة، بل هي ابنة تراكم قيمي حوّل المعاناة إلى «رأس مال نضالي».
إنّ ذاكرة الانتصارات التي أعقبت مراحل الصمود القاسية كونت يقيناً شعبياً بأن مشهد الركام ليس إلا مقدمة لازمة للبناء، وأن ما هُدم سيعمر بكرامة أكبر. هذا اليقين يستند إلى «مصداقية المقاومة» التي أثبتت في محطات سابقة صدق شعاراتها، لا سيما وعد «ستعود أجمل مما كانت».

إنّ هذا الشعار تجاوز كونه وعوداً إنشائية ليصبح «عقيدة عمرانية» ونفسية، تجعل الناس ينظرون إلى الدمار بعين «المستقبل» لا بعين «الحطام»، مما يفقد سلاح التدمير قيمته الردعية ويحوله إلى محفز لتعميق الارتباط بالأرض، حيث:
1. يتحول فعل «إعادة الإعمار» من عملية تقنية إلى استكمال لفعل المقاومة وهزيمة معنوية لنيات العدو في التهجير.
2. تترسخ الثقة المطلقة في وعود القيادة كصمام أمان سيكولوجي يمنع تسلل القلق أو الشك في جدوى التضحية.
3. تصبح «العودة» إلى القرى والبيوت المهدمة فعلاً مقدساً وواجباً أخلاقياً يكسر هيبة القوة المادية المتفوقة ويؤكد السيادة على المكان.

وفي طبقات أعمق، يعمل «المعتقد والمخزون الروحي والقيمي» كمحرك جوهري لهذا الثبات؛ فالإنسان في هذه البيئة يستحضر «النموذج الكربلائي» كإطار مرجعي وإبستيمولوجي لفهم الصراع وتجاوز محنة الفقد. إنّ كربلاء هنا ليست مجرد ذكرى للتفجع، بل هي مدرسة تُعلّم أن النصر يولد من رحم المظلومية، وأن الدم يمتلك القدرة السحرية على الانتصار على السيف. هذا البعد العقدي يتصل بوعي «مهدوي» يرى في المعاناة الراهنة جزءاً من مسار تاريخي كوني نحو العدالة الشاملة، مما يحمي الوعي من الإحباط السريع، حيث:
١. يُعاد تعريف «الألم» و«الفقد» كقيم معنوية تُقرّب الإنسان من كماله الأخلاقي، مما يسحب من العدو ورقة الضغط بالوجع المادي.
2. تتحوّل الشهادة من خسارة بيولوجية إلى «رأس مال رمزي» يمنح المجتمع فخراً وجودياً واستمرارية معنوية.
3. يصبح الصمود طقساً تعبدياً ووفاءً لإرث روحي ممتد، مما يجعل التراجع عنه بمثابة خيانة للهوية والانتماء العقدي.

وعلى عكس مراهنات العدو بأن الضغط العسكري المكثف سيولد تفككاً اجتماعياً، فإن «الحرب تزيد من التماسك الجماعي» وتفعل آليات التضامن العضوي. ففي لحظات الخطر الوجودي، يذوب الفرد في الجماعة، ويتحول المجتمع إلى «خلية واحدة» يسودها التعاضد والاحتضان المتبادل.

إنّ هذا التراص يمنع حدوث «الفراغ النفسي» الذي قد يؤدّي إلى اليأس، بل يخلق حالاً من «المقاومة المجتمعية» التي تتكامل مع المقاومة العسكرية، حيث:
1. تتلاشى الفوارق الفردية والطبقية أمام وحدة المصير وسمو القضية المشتركة.
2. يبرز «التكافل الاجتماعي» كأداة قوية لمواجهة تداعيات النزوح والفقر، مما يحول البيئة الحاضنة إلى شريك فعلي في إدارة المعركة بصبرها.
3. تنشأ حال من «الأمان النفسي المشترك»؛ فالجميع في مركب واحد، وهذا الشعور بالرفقة في البلاء يقلل من وطأة المعاناة الفردية ويزيد من القدرة على التحمل.

ويمكن تكثيف أبعاد هذا الصمود الأسطوري في خمس ركائز بنيوية تمنح هذه البيئة تفوقها السيكولوجي المطلق:
1. المناعة ضد «إدارة الإدراك»: فشل البروباغندا المعادية في اختراق الوعي الجمعي بفضل وجود «فلتر» قيمي وعقدي يصنف الرسائل المعادية كضجيج خارجي لا يمتلك أدوات النفاذ إلى العقل الجمعي المحصن بالثقة.
2. مركزية «الأسرة» و«المرأة»: دور العائلة كنواة صلبة تعيد إنتاج قيم الثبات، ودور المرأة كمحرك أساسي للصمود النفسي والتربوي، مما يحافظ على تماسك الجبهة الداخلية في أقسى الظروف.
3. العقلانية الوجودية: الإدراك الشعبي الواعي بأن ثمن الاستسلام (الذل، التهميش، وفقدان السيادة) هو أبهظ بكثير من كلفة المواجهة، مما يجعل الصمود قراراً عاقلاً ومدروساً وليس مجرد انفعال عاطفي.
4. الهوية العابرة للجغرافيا: ارتباط الناس ببيوتهم وقراهم كقيمة «أنطولوجية» (وجودية) لا يمكن اقتلاعها بالبارود؛ فالأرض في وعيهم هي «العرض» والكرامة، مما يجعل «فكرة العودة» أقوى من واقع التهجير المؤقت.
5. التفوق المعنوي للإنسان على التكنولوجيا: الإيمان العميق بأن «الإنسان» هو أصل القوة ومبتدأ النصر، وأن التفوق التقني للعدو لا يمكنه حسم صراع الإرادات ما دام الإنسان قد قرر ألّا ينكسر.

إنّ صلابة بيئة المقاومة ليست «صدفة» أو حالاً طارئة، بل هي نتاج بناء سوسيولوجي ونفسي عميق، جعل من الإنسان في هذه الأرض جزءاً لا يتجزأ من تضاريس المواجهة. إنها القوة التي تحوّل «الضعف المادي» إلى «اقتدار تاريخي»، وتثبت أن محاولات العدو لكسر الإرادة هي محض «حرث في البحر».
تظلّ الحقيقة الصارخة أنّ هذه البيئة لا تمارس الصمود كفعل، بل هي الصمود في أسمى تجلياته البشرية، حيث تلاشت المسافة بين الذات والأرض والقضية، لتصبح الكتلة البشرية كلها «فداءً» لليقين الحتمي بالانتصار والبقاء.

الكلمات المفتاحية
مشاركة