اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

السيد مجتبى الخامنئي
المقال التالي المقاومة الإسلامية في العراق نفذت 23 عملية بالمُسيّرات على قواعد العدو

مقالات مختارة

صدوع «الناتو» تتكاثر: جنوب أوروبا لا يدعم العدوان
مقالات مختارة

صدوع «الناتو» تتكاثر: جنوب أوروبا لا يدعم العدوان

دخلت العلاقات الأطلسية منعطفاً حرجاً، إثر قرار إسبانيا وإيطاليا إغلاق الأجواء والقواعد العسكرية أمام العمليات الأميركية ضدّ إيران. وأثار هذا القرار غضب الولايات المتحدة، وكرّس انقساماً أوروبياً يهدّد
57

سعيد محمد - صحيفة الأخبار

دخلت العلاقات الأطلسية في نفق مظلم جديد، بعدما اتّخذت كلّ من إسبانيا وإيطاليا قرارات سيادية غير مسبوقة، بهدف النأي بنفسيهما عن العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران. وأطلقت هذه القرارات، التي شملت إغلاق الأجواء ومنع استخدام القواعد العسكرية المشتركة، موجة غضب عارمة في الولايات المتحدة، في وقت تهدّد فيه بانقسامات عميقة داخل «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، لم تشهدها القارة منذ غزو العراق في عام 2003.
وكانت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغريتا روبلز، أعلنت، في تصريح رسمي، أن إسبانيا اتّخذت قراراً نهائياً بإغلاق أجوائها أمام الطائرات الأميركية كافة المنخرطة في الهجمات على إيران. وأكّدت روبلز أن «موقف إسبانيا كان واضحاً للحكومة الأميركية منذ البداية»، مجدّدةً القول إن مدريد لن تسمح باستخدام قاعدتَي «مورون» و«روتا» لأيّ أعمال تتعلّق بهذا النزاع.
من جانبه، قدّم رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، شرحاً مفصّلاً أمام برلمان بلاده حول أبعاد القرار الأخير. وأوضح سانشيز أن الحكومة رفضت جميع خطط الطيران التي قدّمتها الولايات المتحدة، والتي تتضمّن مهامَّ قتالية أو لوجستية مرتبطة بالعملية العسكرية ضدّ إيران. ويشمل ذلك الحظر منع طائرات التزويد بالوقود (KC-135) من الإقلاع من القواعد الإسبانية لدعم القاذفات في الجو، وإغلاق المجال الجوي أمام عبور الطائرات الأميركية المنطلقة من قواعد دول أخرى، من مثل بريطانيا. كما رُفض طلب واشنطن نشر القاذفات الاستراتيجية الثقيلة «B-52» و«B-1B» في قاعدة «مورون» الجوية.

وشدّد سانشيز على أن إسبانيا «دولة سيادية ترفض المشاركة في حروب غير قانونية»، واصفاً الهجمات الأميركية والإسرائيلية بأنها «تهوّر» يهدّد الأمن العالمي. وأوضح أن الاستثناء الوحيد من الحظر سيكون حالات الطوارئ القصوى التي تستدعي هبوطاً اضطرارياً لإنقاذ الأرواح، في حين بيّن وزير الخارجية، خوسيه مانويل ألباريس، أن الهدف من هذه القرارات هو منع أيّ تصعيد إضافي قد يؤدّي إلى حرب إقليمية شاملة. وترى مدريد أن التحرّك العسكري الأميركي الحالي يفتقر إلى غطاء من مجلس الأمن الدولي أو المنظّمات المتعدّدة الأطراف، وهو ما يجعل المساهمة فيه مخالفة للمبادئ الدستورية الإسبانية والقانون الدولي.
أمّا في روما، فسلكت رئيسة الوزراء، جورجيا ميلوني، مساراً مشابهاً، وإن كان بدوافع قانونية وبروتوكولية أكثر تحديداً، إذ رفضت الحكومة الإيطالية طلباً أميركياً لاستخدام محطّة «سيغونيلا» الجوية في صقلية كمنصة انطلاق للعمليات العسكرية ضدّ إيران. وأشارت تقارير صحافية، من بينها ما نشرته يومية «كوريري ديلا سيرا»، إلى أن الغضب الإيطالي ينبع من قيام الولايات المتحدة بإرسال قاذفات في اتجاه المنطقة من دون السعي للحصول على تفويض مُسبق أو التشاور مع القيادة العسكرية الإيطالية. ويُعدّ هذا التصرف مخالفاً للمعاهدات التي تحكم الوجود العسكري الأميركي في إيطاليا منذ عام 1950. وتمنح المعاهدة الثنائية، الولايات المتحدة، حق استخدام القواعد لأغراض تدريبية ولوجستية، لكنها تشترط موافقة البرلمان الإيطالي الصريحة في حال استخدام الأراضي الإيطالية كمركز لإطلاق عمليات حربية أو نقل أسلحة لاستخدامها في نزاع مسلّح.

تبدو لندن مستمرّة في أداء دورها كأهمّ حليف ميداني للولايات المتحدة في أوروبا

وكانت ميلوني وجدت نفسها تحت ضغط هائل من أحزاب المعارضة ومن الرأي العام الإيطالي الرافض بشدّة للتورّط في نزاع جديد في الشرق الأوسط، خاصة مع إقرارها بأن بعض الضربات الأميركية أصابت منشآت مدنية من مثل المدارس، وهو ما وصفته بـ«المجزرة». وتراقب مدريد وروما بقلق احتمال تصعيد الحرب لتشمل أهدافاً مدنية كمحطّات تحلية المياه أو منشآت الطاقة، وهو سيناريو قد يدفع هذه الحكومات إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، ربّما تصل إلى تعليق بعض بنود التعاون الدفاعي ضمن حلف «الناتو».
وأثارت القرارات الأوروبية غضب إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي وصف الحكومة الإسبانية بأنها «غير صديقة» و«سيئة للغاية»، مهدّداً بفرض حصار تجاري شامل على إسبانيا، التي تمثّل رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو. ولحقه إلى ذلك وزير خارجيته، ماركو روبيو، الذي وصف، في مقابلة تلفزيونية، موقف حلفاء من مثل إسبانيا بأنه «مخيّب للآمال للغاية»، ملوّحاً بأن واشنطن ستعيد تقييم جدوى «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) بعد انتهاء العمليات العسكرية. وحذّر الوزير الأميركي من أن الدول التي لا تدعم الولايات المتحدة في «أوقات الشدّة» قد لا تجد الدعم الأميركي مستقبلاً. وفي المقابل، أعربت السفارة الإيرانية في مدريد عن تقديرها لموقف إسبانيا «الملتزم بالقانون الدولي»، وألمحت إلى أنها قد تكون منفتحة على طلبات مدريد بشأن تسهيل مرور بعض الشحنات عبر مضيق هرمز.
أمّا على المستوى العسكري، فحاول المسؤولون في الولايات المتحدة التقليل من أثر هذه الانسحابات؛ إذ قال مسؤول في البيت الأبيض إن الجيش الأميركي يحقّق أهدافه في الحرب على إيران بكفاءة تامة، وإنه «لا يحتاج إلى مساعدة من إسبانيا أو غيرها»، وذلك رغم أن التحرّكات على الأرض تقول إن واشنطن اضطرّت إلى نقل 15 طائرة تزويد بالوقود من طراز «KC-135» من إسبانيا إلى قواعد في فرنسا وألمانيا، لتأمين استمرارية العمليات.

كذلك، يؤدّي إغلاق الأجواء الإسبانية إلى فرض تحدّيات تقنية كبيرة على سلاح الجو الأميركي؛ إذ تُجبر الطائرات المنطلقة من بريطانيا على الالتفاف حول شبه الجزيرة الأيبيرية عبر المحيط الأطلسي للدخول إلى المتوسط من فوق مضيق جبل طارق، ما يزيد من ساعات الطيران واستهلاك الوقود بشكل حادّ. وتحتاج القاذفات الآتية من الولايات المتحدة، بدورها، إلى التزوّد بالوقود في الجو فوق فرنسا (التي سمحت بالمرور لأغراض «دفاعية» محدودة)، أو قاعدة «لاجس» في جزر الأزور البرتغالية التي أصبحت نقطة ارتكاز حيوية لتعويض النقص الناتج من إغلاق القواعد الإسبانية.

وبخلاف المواقف في مدريد وروما، تبدو لندن مستمرّة في أداء دورها كأهمّ حليف ميداني للولايات المتحدة في أوروبا، إذ وافق رئيس الوزراء، كير ستارمر، على استخدام قاعدة «راف فيرفورد» في غلوسترشير كمنصّة لاستقبال القاذفات الأميركية، وكذلك على استعمال القواعد البريطانية في قبرص ودييغو غارسيا. ورغم هذه التسهيلات البريطانية، إلا أن هناك توتراً خفياً مستمرّاً بين ترامب وستارمر؛ إذ سخر الأول مجدّداً من الأخير، ووصفه بأنه «يحاول الانضمام إلى الحروب بعد حسمها». ويأتي هذا فيما بدأت الأجهزة الأمنية واللوجستية البريطانية تلاحظ تقلّصاً في قنوات التواصل التقليدية مع الجانب الأميركي.
وتتزامن هذه التوترات مع تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية نتيجة إغلاق مضيق هرمز فعلياً بسبب التهديدات الإيرانية. ويمرّ عبر هذا المضيق نحو ربع إمدادات العالم نفطاً وغازاً وكيماويات، ما أدّى إلى قفزة هائلة في أسعار الطاقة أثقلت كاهل المواطنين في أوروبا وغير بلد حول العالم.

ويأتي صراع الأجواء والقواعد هذا، ليكرّس انقساماً متزايداً في القارة الأوروبية تجاه السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترامب، بين جبهة رفضٍ تقودها إسبانيا وإيطاليا، وتدعمها فرنسا وهولندا جزئياً، ترى أن الحروب الاستباقية من دون تفويض دولي هي «خطر على السلام العالمي»؛ وبين جبهة دعم صامت تقودها بريطانيا وألمانيا، تعتقد أن الحفاظ على المظلّة الأمنية الأميركية يتطلّب تقديم تنازلات ميدانية، حتى لو كانت الحرب «حرب اختيار».
وأيّاً يكن، فإن هذه الأزمة قد تشكل منعطفاً تاريخياً في مسار الحلف الأطلسي، بعدما وضعت المصالح الوطنية والقيم القانونية المزعومة لأوروبا في كفّة، والتبعية التقليدية للولايات المتحدة في كفّة أخرى. وبينما تستمر القاذفات الأميركية في تحليقها عبر مسارات ملتوية تفادياً للأجواء الإسبانية والإيطالية، فإن المؤكد أن ارتدادات العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران لم تعُد مقتصرة على الجبهة العسكرية الواسعة عبر الشرق الأوسط كلّه فحسب، بل وفتحت جبهات اقتصادية ودبلوماسية موازية، قد تعيد رسم خريطة القوى العالمية والتحالفات، لسنوات طويلة قادمة.

الكلمات المفتاحية
مشاركة