مقالات مختارة
ريم الهاني - صحيفة الأخبار
تباهى ترامب، خلال خطابه الأوّل أمام الأمة حول الحرب على إيران، بما زعم أنها «انتصارات ساحقة»، متجاهلاً في المقابل التأثيرات الاقتصادية التي تسبّبت بها الحرب على بلاده. ودفع ذلك بالعديد من الخبراء إلى التحذير من أن التقليل من أهمية المشكلة لا يكفي لمنعها.
لأوّل مرّة منذ بدء العدوان الأميركي – "الإسرائيلي"، ألقى دونالد ترامب، مساء الأربعاء بالتوقيت المحلي، خطاباً أمام الأمّة حول الحرب على إيران، كان من المُفترض أن يقدّم فيه بعض الإجابات «الملحّة»، ولا سيما في ما يتعلّق بالقضية الأكثر تأثيراً على اقتصادات الدول حول العالم، أي مضيق هرمز. بيد أنه وباستثناء ما أظهره الجمهوريون الموالون لترامب، والذين اعتادوا الإشادة به بسبب أو من دونه، ترك الخطاب «القصير» الأخير للرئيس، الذي لم يصل إلى حدّ العشرين دقيقة، مرّة جديدة، الجمهور والمشرّعين والمحلّلين في حيرة «أكبر»، وهو ما أثار انتقادات واسعة النطاق ضدّ حرب لا تزال تبدو من دون أيّ أفق.
ومن بين هؤلاء «المعجبين»، اعتبر السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، المتحمّس لتوسيع نطاق الحرب، أن ترامب قدّم «تفسيراً مقنعاً» لتحرّك الولايات المتحدة ضدّ «النظام الشرير» في إيران، مضيفاً، في منشور عبر «أكس»، أن «الخطاب كان أفضل ممّا كنت أتمناه»، ولا سيما أنه أوضح «للأميركيين والعالم أن واشنطن على بعد أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع لتحقيق أهدافها العسكرية، المتمثّلة في تدمير برامج إيران الصاروخية والنووية». أمّا الخلاصة «الأهمّ والأكثر إقناعاً»، بالنسبة إلى غراهام، فهي «إعلان ترامب استخدام القوة العسكرية لتدمير اقتصاد النظام الإيراني».
على أنه في ضوء ذلك التهديد، جنباً إلى جنب زعم ترامب أن «الجزء الأصعب قد انتهى»، وأن «القفزة الأخيرة في أسعار الغاز هي زيادة قصيرة الأجل وستعود الأسعار إلى الانخفاض بسرعة» بمجرّد إعادة فتح مضيق هرمز، يحذّر مراقبون من أن العواقب الاقتصادية للصراع «قد تتفاقم قبل أن يتحسّن الوضع»، ما سيصعّب على ترامب مهمة التخلّص من «الإرث المدمّر» الذي سوف تخلّفه الحرب. وفي هذا السياق، يرد في تقرير نشرته شبكة «سي أن بي سي»، أنه على الرغم من أن خطاب ترامب قلّل من المخاوف المشار إليها في خطابه، فإن «تجربة السبعينيات تُظهِر أن الأميركيين قد لا يمضون قدماً بسرعة في هذه الأزمة». وبذلك، من المرجّح أن ينضمّ ترامب إلى سلسلة طويلة من الرؤساء الأميركيين الذين طبعوا فترة السبعينيات، وارتبطت ولاياتهم بأزمات الطاقة والتضخّم، «تلك الآفة الاقتصادية التي وصفها ترامب بأنها (مدمّرة للأمم)».
قد يكون من الصعب على ترامب التخلّص من الإرث «المدمّر» الذي ستخلّفه الحرب
وتنقل الشبكة عن جاي هيكس، المؤرّخ الرئاسي الذي ترأّس «إدارة معلومات الطاقة الأميركية» في التسعينيات، خلال عهد بيل كلينتون، قوله: «لقد غُرست صدمة النفط في السبعينيات في ما وراء وعينا وفي أعماق أدمغتنا»، كما «استمرّ أثرها لفترة طويلة لأنها كانت بمثابة هزّة عنيفة، وأعتقد أن ما يحدث الآن سيكون هزّة من ذلك النوع».
وفي أعقاب «تبجّح» ترامب بما وصفه بـ«الانتصارات الساحقة في ساحة المعركة»، وإعلانه أنه قد يكون هناك المزيد من الضربات «الأقسى» في الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة، على أن تنتهي الحرب «قريباً»، أشار تقرير نشرته شبكة «بي بي سي» البريطانية، إلى أن حرب ترامب وإسرائيل منحت النظام الإيراني «موقفاً تفاوضياً أقوى بكثير مقارنة ببداية الحرب، ولا سيما أن إيران أصبحت قادرة، فعلياً، على ابتزاز النظام العالمي»، مضيفاً أنه «لا حلول سهلة أمام ساكن البيت الأبيض». واللافت، طبقاً للمصدر نفسه، أنه بعد تعهّد ترامب بأنه سيفتح المضيق بـ«نفسه»، ولاحقاً بأنه سيضغط على طهران حتى تُوافق على فتحه، فقد ترك ترامب، في خطابه الأخير، المهمّة المشار إليها لحلفائه في المنطقة، معتبراً أن «على الدول التي تحتاج إلى النفط من الشرق الأوسط أن تأخذ زمام المبادرة للإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً».
من جهتهم، لفت خبراء اقتصاديون إلى أنه وبدلاً من طمأنة الأسواق، قفزت أسعار النفط، خلال خطاب ترامب، مرّة أخرى إلى ما يزيد عن الـ100 دولار للبرميل؛ إذ ارتفع النفط الخام الأميركي 2.24% إلى 102.36 دولار للبرميل، في حين ارتفع خام برنت 3.24% إلى 104.44 دولارات للبرميل. وبطبيعة الحال، لم يقنع حديث ترامب عن «الأزمة العابرة» الكثير من الاختصاصيين؛ إذ أكّد باتريك دي هان، رئيس قسم تحليل البترول في موقع «GasBuddy»، في منشورات عبر التواصل الاجتماعي، أنه «لا يبدو أن لدى ترامب خطة جادّة لوقف ارتفاع أسعار البنزين»، علماً أنه وفقاً لـ»جمعية السيارات الأميركية» (AAA)، تجاوز متوسط سعر البنزين الخالي من الرصاص في الولايات المتحدة 4 دولارات للغالون هذا الأسبوع، وذلك لأوّل مرّة منذ عام 2022. وأردف دي هان، عبر موقع «أكس»: «بصراحة، لا أرى أيّ خطة حقيقية لمنع ارتفاع أسعار البنزين إلى 5 دولارات للغالون»، مضيفاً: «سيبدأ الأميركيون بتغيير خطط سفرهم في الصيف، ولن ينسوا السبب عندما يتوجّهون إلى صناديق الاقتراع في تشرين الثاني»، منوّهاً إلى أن «الخطاب لم يتناول بشكل كافٍ إغلاق مضيق هرمز، الذي تسبّب في ارتفاع حادّ في أسعار النفط الخام».
«خطأ تاريخي»
أمّا الديمقراطيون فاستغلّوا «ضعف» الخطاب وافتقاره إلى أيّ معطيات جديدة، لتصعيد هجومهم على ترامب، إذ قال السيناتور مارك وارنر (ديمقراطي، فرجينيا)، إن «خطاب ترامب لم يقدّم إجابات شافية لأبسط الأسئلة التي يستحقّها الشعب الأميركي في ظلّ انخراط أمّتنا في صراع مكلف وخطير مع إيران». وأضاف وارنر، الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، أن ترامب وإدارته، منذ بداية الحرب، «قدّما مبرّرات متضاربة لهذه الحرب الاختيارية، من دون أيّ تخطيط جادّ لإدارة عواقبها المتوقّعة»، متابعاً: «لا تزال الخطة غير واضحة لتأمين المواد النووية الإيرانية، ولا تزال قدرات طهران الصاروخية الباليستية تشكّل تهديداً، كما لا يزال مضيق هرمز مُغلقاً. وفي الوقت نفسه، تُخفّف الإدارة الأميركية العقوبات النفطية بطريقة تُعيد مليارات الدولارات إلى النظام الذي نواجهه».
بدوره، انتقد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، خطاب ترامب بشدّة، متسائلاً: «هل سبق أن صدر خطاب رئاسي عن الحرب أكثر تشتّتاً وتفكّكاً وإثارة للشفقة؟»، مضيفاً في منشور عبر «أكس»: «ستُعتبر تصرفات دونالد ترامب في إيران واحداً من أكبر الأخطاء السياسية في تاريخ بلادنا، إذ فشل في تحديد الأهداف، وأدّى إلى نفور الحلفاء، وتجاهل المشاكل اليومية التي يواجهها الأميركيون». وخلص الزعيم الديمقراطي إلى أن ترامب «غير مؤهّل تماماً لمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والعالم أجمع يعلم ذلك».
ولم تقتصر ردود الفعل «الغاضبة» على الداخل الأميركي، ولا سيما بعدما خصّص ساكن البيت الأبيض جزءاً وفيراً من خطابه للسخرية من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بإشارته إلى أن الأخير يتعرّض لـ»معاملة سيئة جداً» من زوجته. ورداً على ذلك، اعتبر ماكرون أن هذه التصريحات «غير لائقة وغير مناسبة ولا تستحق الردّ». وقال في إشارة إلى الحرب على إيران، إن «إدارة ترامب تُرسل باستمرار إشارات متناقضة، وتتكلّم كثيراً»، مشدّداً على أن الحرب «ليست استعراضاً». كما توجّه ماكرون إلى نظيره الأميركي قائلاً: «إذا أردت أن يتمّ أخذك على محمل الجدّ، فلا يمكنك أن تقول كلّ يوم عكس ما قلته في اليوم السابق».
على أن اللافت أن بعض المراقبين تلقّفوا عدم تطرّق ترامب إلى قضايا من مثل الغزو البري وفتح مضيق هرمز بـ«إيجابية»، معتبرين ذلك مؤشراً إلى أن الرئيس يبدو في صدد الخروج «تدريجياً» من الحرب. ومن بين هؤلاء، يؤكّد مارك كانسيان، كبير المستشارين من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، في حديث إلى شبكة «أن بي سي» الأميركية، أن الرسالة التي حملها خطاب ترامب بدت «مقبولة»، معتبراً أن ساكن البيت الأبيض بدا، خلال اليومين الماضيين، وكأنه «يُمهّد الطريق لفكرة أننا انتهينا»، وهو «لم يهدّد أخيراً بإرسال قوات برية إلى إيران، بل أشار إلى أن واشنطن على وشك تحقيق أهدافها».