اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

مقالات مختارة

سلطة الاحتلال الأميركي تبرّر مجازر العدو
مقالات مختارة

سلطة الاحتلال الأميركي تبرّر مجازر العدو

69

صحيفة الأخبار 

 

قد يكون «التآمر» الوصف الأقرب لأداء السلطة اللبنانية. تآمرٌ يتعمّد الاستفزاز بما يدفع حتماً نحو الانفجار. وهو، في جوهره، انعكاس لتبنّي سردية أميركية - إسرائيلية تدّعي تحقيق النصر، وتختزل ما تبقّى من حزب الله ببعض القدرات التي ستتكفّل إسرائيل بإنهائها. ما يجري اليوم غير مسبوق، وهدفه واضح: إسقاط كل التوازنات الداخلية، ووضع البلاد بالكامل في قبضة الولايات المتحدة، تمهيداً لتغيير هويتها السياسية.

ولم يعد خافياً حجم التنسيق بين لبنان الرسمي وكيان العدو عبر واشنطن، ضمن آلية تفاهمات على إدارة المرحلة، يُستخدم فيها الضغط العسكري الإسرائيلي بالتوازي مع الضغط السياسي الداخلي في اتجاه واحد. ولا شيء غير ذلك يفسّر سلوك هذه السلطة إزاء المجزرة التي ارتكبها العدو في بيروت ومناطق واسعة أول من أمس، حيث نُفّذت مئة غارة خلال عشر دقائق، موقعة أكثر من 300 شهيد ونحو 1150 جريحاً، في أحد أكثر فصول هذه الحرب دموية وترويعاً.

وبدل أن تنتفض سلطة الوصاية دفاعاً عن كرامة مواطنيها ودمائهم، سارعت إلى ما تجيد القيام به وما كُلفت تنفيذه منذ تولّيها المسؤولية، فعمدت، في خطوة قذرة، الى ارتكاب جريمة عبر تغطية مجزرة «الأربعاء الأسود»، من خلال تبنّي رواية العدو التي تزعم أن ما تم استهدافه كان «مراكز لحزب الله». وفيما قررت إرسال شكوى إلى مجلس الأمن العاجز، ذهبت عملياً إلى مساعدة العدو في تحقيق ما عجز عنه بالقوة العسكرية، من خلال قرار خبيث باعتبار العاصمة وكأنها كيان منفصل عن سائر البلاد، وفرض إجراءات استثنائية فيها لا عنوان لها سوى النيل من المقاومين، بالذريعة الممجوجة إياها: «بسط سلطة الدولة».

وجاءت خطوة السلطة في سياق مسارٍ بدأ منذ اليوم الأول للحرب، حين راهن أركانها على أن تُنهي إسرائيل المواجهة مع إيران سريعاً، ثم تقضي على حزب الله خلال أيام، تمهيداً للدخول في مفاوضات استسلام موصوف مع العدو. ومع تبيّن فشل هذا الرهان، وصمود إيران والمقاومة، لجأ الأميركيون ومعهم إسرائيل إلى خدعة جديدة، عنوانها رفض شمول لبنان بقرار وقف إطلاق النار.

فسارعت إسرائيل إلى التنصّل من التفاهم، بغطاء أميركي، وتبع ذلك تصعيد واسع تمثّل بمجازر وقصف عنيف طال مختلف المناطق اللبنانية. ثم جاء دور السلطة لملاقاة العدو، معلنة رفضها أن يفاوض أحد نيابة عن لبنان، لتندفع سريعاً نحو خيار التفاوض المباشر مع العدو برعاية أميركية، وعلى أرض أميركية، مقابل وعود بتخفيف الاستهداف للعاصمة، مع استمرار الحصار الناري على كل المناطق المرتبطة ببيئة المقاومة، بالتوازي مع محاولات ميدانية للتقدم والسيطرة على مزيد من الأراضي جنوباً.

وبدل أن تستثمر السلطة في عناصر القوة التي أفرزها صمود إيران والمقاومة، قررت أن تتموضع في الجانب الآخر من الطاولة، معلنة عبر رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، أن لبنان غير مشمول بأي تفاهم، وأنه يفاوض بنفسه، بما يَضمن لاسرائيل أن تعالج «بيدها» ملف حزب الله وسلاحه بوصفه عنواناً غير قابل للتفاوض.

وبلغ هذا الأداء - الفضيحة حدّاً أثار استياءً واسعاً في أكثر من عاصمة. فقد عبّر مسؤولون مصريون عن «دهشتهم» من خفّة تعاطي أهل الحكم في لبنان، فيما أبدت دول أوروبية استغرابها من موقف الحكومة، مؤكدة ضرورة شمول لبنان بأي وقف لإطلاق النار. وفي هذا السياق، شدّد وزير الخارجية الفرنسي جان - نويل بارو على أنه «لا ينبغي أن يكون لبنان كبش فداء لحكومة منزعجة من التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران».

غير أنّ المفارقة الأبرز تمثّلت في غياب أي بيان عن وزارة الخارجية اللبنانية يدين الاعتداءات أو يدعو إلى تحرّك دولي عاجل، إذ لم تُبادر إلى طلب جلسة خاصة لمجلس الأمن وكأنها غير معنية بالأمر. وفي وقت كانت عواصم عربية وغربية تصدر بيانات تنديد متتالية، كان وزير الخارجية يوسف رجي يعمّم على الدبلوماسيين اللبنانيين أنّ المفاوضات الجارية في إسلام آباد لا تعني لبنان.

وبلغ هذا المسار التآمري ذروة خطيرة، مع تقديم السلطة هدية إضافية للاحتلال، الذي لم يُخفِ قادته سرورهم لما سُمّي «مبادرة اعتبار بيروت منزوعة السلاح». وهو القرار الذي أُقرّته الحكومة في جلسة برئاسة عون، لم يخف خلالها سلام اصطفافه التام في الموقف المعادي للمقاومة وللعاصمة وأهلها، بل ذهب أبعد في مواقف لم يجرؤ أفيخاي أدرعي أو حكومة العدو على تبنيها، عندما اعتبر «أن كل الأحياء والأبنية التي قصفت في بيروت كانت إما تحتوي على مخازن لسلاح حزب الله أو يقطنها مقاتلون». ولمزيد من الدقة، أعطى سلام مثالاً على مركز مجاور لمنزل جدّه يستخدم، على حد زعمه، خط إمداد لمقاتلي الحزب!

هكذا وبكل برودة، ووسط صمت مريب لغالبية الحاضرين، برّر سلام للعدو قتله مواطنين عزلاً وأطفالاً وعائلات بأكملها، وأصرّ على إصدار قرار حكومي يطلب فيه تعزيز الأمن في العاصمة وتكليف الجيش والقوى الأمنية بسط سيطرتها على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية، واتخاذ تدابير بحق المطلوبين والمخالفين وإحالتهم للقضاء المختص. وترافق ذلك مع حوادث لافتة، من بينها توقيف جهاز امني يعمل مع قوى الامن الداخلي احد عناصر المقاومة في بيروت من دون سبب، وكانت المفاجأة خلال التحقيق معه، توجيه «ملثم» سؤالاً اليه عن كيفية تحرك المقاومين في هذه الحرب.

وأفادت مصادر وزارية أن كلام سلام أثار حفيظة وزير الصحة ركان ناصر الدين الذي ذكّر بحجم الخسائر البشرية والمجازر التي طالت مدنيين ومراكز إسعاف ودفاع مدني لا يوجد داخلها أي سلاح بالتأكيد، مشدداً على أن مثل هذه القرارات «تبرر الإبادة».

كما أبدى وزير المال ياسين جابر تحفّظه على توقيت القرار في ظل التصعيد القائم. غير أن سلام أصرّ على المضي بالقرار، داعياً المعترضين إلى تسجيل تحفظاتهم. وفيما حاول رئيس الجمهورية تهدئة الأجواء، عاد واصطف مع سلام في مسألة التصويت والتحفظ. ولما طُرح القرار على الوزراء، تحفّظ وزيرا حزب الله محمد حيدر وركان ناصر الدين بينما أتت المفاجأة بموافقة وزراء حركة أمل، أي جابر نفسه ووزيرة البيئة تمارا الزين، في خطوة باتت تستوجب موقفاً واضحاً من الرئيس نبيه بري، فاما أنه موافق على ما يحصل أو ليرفع الغطاء عن وزرائه في الحكومة.

ولم يكن عون وسلام وحيدين في التقدم خطوات اضافية صوب الفتنة، اذ أبلغ الوزير الكتائبي عادل نصار الحكومة أنه في صدد إعداد شكوى ضد ايران ضمن دراسة يعدّها حول انشاء الحرس الثوري خلية مسلحة في لبنان وتعريض الأمن القومي للخطر، اضافة الى تدخل طهران في الشوؤن الداخلية.

وقدّم وزراء «القوات اللبنانية» مذكرة قانونية موجهة الى المجلس في سياق «تحميل المسؤوليات القانونية والدستورية الناجمة عن أفعال خطيرة أدّت الى إدخال لبنان في نزاعات مسلحة من دون أي سند دستوري أو شرعي، مما يشكل انتهاكاً لكيان الدولة وسيادتها وحقوق المواطنين الأساسية».

وطلبوا التنفيذ الفوري لقرار احتكار الدولة للسلاح. وفي خطوة تصب في الحملة التي تشنها «القوات» على الجيش وقيادته، طالبت المذكرة باعتبار «كل جهة شاركت أو قررت أو ساهمت بإدخال لبنان في نزاعات مسلحة مسؤولة قانوناً عن الأضرار، وتكليف جهات مختصة إعداد ملفات قانونية لتحديد المسؤوليات كما تحريك النيابة العامة التمييزية بحق حزب الله كتنظيم عسكري ومسؤوليه ونوابه كتنظيم سياسي»، مع تكرار معزوفة انه لا تقع على عاتق الدولة مسؤولية اعادة الاعمار. وأنهوا المذكرة بالاشارة الى أن تقاعس مجلس الوزراء عن أداء واجباته يشكل تواطؤاً مع المخالفة الدستورية ويعرّض اعضاءه للمسؤولية الشخصية أمام القضاء الداحلي والهيئات الدولية.

ولم تمر ساعات قليلة على قرار الحكومة، حتى تكشف الفصل الاخر من الفضيحة، حيث تبين ان رئيس الجمهورية كان ابلغ السفير الاميركي في بيروت ميشال عيسى انه قرر تسمية اعضاء وفد مصغر للتفاوض المباشر مع مندوبين عن كيان الاحتلال. وحتى يتأكد التنسيق، لاقى رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو الحكومة اللبنانية بالترحيب بقرارها، كاشفاً أن «مفاوضات مباشرة ستبدأ بين لبنان وإسرائيل». وتقول مصادر مطلعة إن مبادرة الرئيسين عون وسلام لاصدار قرار عن مجلس الوزراء بفرض إجراءات خاصة في محافظة بيروت، تهدف الى تلبية طلبات أميركية - أوروبية جاءت على عجل بعد غارات أول من أمس، وأن حجة عون وسلام في إعلان لبنان هذه الخطوة، والشروع في اجراءات على الأرض، هي مساعدة من أسمتهم «الوسطاء» على اقناع العدو بتحييد العاصمة عن الضربات العسكرية.

لكن دبلوماسياً غربياً في بيروت، أكدأن المبادرة جاءت من عون وسلام وليس بطلب من الخارج، وأبدى شكوكه في أن تؤدي الى الحصول على تعهد إسرائيلي بعدم التعرض لبيروت. وكان عون وسلام قد ناقشا مطلع الحرب القائمة قبل نحو شهر خطوة إعلان «بيروت الكبرى» منطقة منزوعة السلاح. وطلبا، بالتعاون مع الجانبين الأميركي والسعودي، إطلاق حملة سياسية وإعلامية لتحقيق هذه الخطوة. واعتبرا أنه يمكن للجيش اللبناني بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي القيام بعملية أمنية واسعة تشمل بيروت الإدارية والضاحية الجنوبية وصولا الى خلدة، على أن تقوم القوات الأمنية والعسكرية بنشر حواجز في كل المناطق، وتفتيش المارة والتدقيق في هوياتهم.

وقالت مصادر مطلعة ان الخطة عندما عرضت في المرحلة الاولى، ووجهت بتحفظ القوى الامنية والعسكرية التي حذرت من ان البعض يريد من الخطة حصول مواجهة بين الجيش وحزب الله او انصاره، خصوصا أن «سنة معراب» الذين تولوا التسويق للخطة كانوا قد طالبوا بأن تقوم القوى الامنية بمداهمة مراكز ايواء النازحين في بيروت وتفتيشها بحثا عن سلاح. كما طالبوا بفرض منع التجول النازحين في عدد من الاحياء، ومنع تواجدهم في تجمعات على الكورنيش البحري او في اي مكان، وفرض الية تلزم اصحاب البيوت والشقق تقديم معلومات مفصلة عن المستأجرين وعددهم ومن اين مكان اتوا وطبيعة الوظيفة التي يشغلونها.

وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن الرئيس نبيه بري وقيادة حزب الله سارعا الى ابلاغ القيادات العسكرية والامنية أنهما لا يمانعان القيام باي اجراءات لمنع اي احتكاك او تفلت أمني في كل لبنان وليس في بيروت فقط، لكنهما حذرا من المساس بخصوصية النازحين في أي مكان، مع التشديد على أن أي محاولة لمداهمة مراكز حزبية أو صحية أو مدنية بحجة البحث عن سلاح ستكون لها عواقب. وتشير المصادر الى ان اتصالات جرت خلال الساعات الماضية لجعل القرار الحكومي يقول إن المهمة هي لبسط سلطة الدولة ولا تفرض على القوى الامنية العمل على نزع السلاح بالقوة من خلال الدخول في المنازل والمقار الحزبية.

بالنسبة لملف التفاوض، يبدو ان عون وسلام لا يكتفيان بتبرير العدوان وتغطيته من خلال اعتبار المقاومة منظمة اجرامية، وبدل التغطية على عجزهما عن تحمل المسؤولية عن الاوضاع القائمة، بادرا الى خطوات من شأنها تعطيل محاولة وقف اطلاق النار على الجبهة اللبنانية، ما لم يكن مناسباً لاهدافهما السياسية.

وبينما كان يتوقع من عون وسلام المبادرة الى استغلال الجهود القائمة لوقف اطلاق النار لتعزيز الموقف اللبناني، فانهما يتصرفان انطلاقا من حسابات ضيقة جدا، ومن كيدية سياسية وربما ما هو اكثر. فقد اطلقا حملة اتصالات مع الجهات الخارجية، ليس للتشديد على ضرورة شمول وقف اطلاق النار لبنان، بل على اشتراط حصول ذلك باجراء تفاوض مباشر مع الحكومة اللبنانية وليس مع حزب الله او ايران.

وتقول المصادر انه بعدما تبين أن مناقشات جدية واسعة تحصل بين إيران واميركا ودول اخرى لضمان شمول لبنان بالهدنة، سارعت الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية الى الطلب من عون وسلام المبادرة الى اطلاق حملة «لا احد يفاوض عن لبنان»، بهدف ان يكون اي اتفاق على وقف اطلاق النار مشروطا بمشاركة السلطة اللبنانية، التي تريد من هذه الخطوة مدخلا لربط وقف اطلاق النار بتنفيذ خطة نزع السلاح في كل لبنان وليس في جنوب نهر الليطاني.

وعلمت «الاخبار» أن المفاوضات قد تبدأ الأسبوع المقبل، في واشنطن وأن السفير الاميركي ميشال عيسى الموجود في اميركا هو الذي سيكون وسيطاً بين السفير الاسرائيلي في واشنطن والسفيرة اللبنانية ندى معوض في اللقاء الأول والذي سيكون تحضيراً للاجتماع التفاوضي الأساسي، حيث سيرأس الوفد السفير سيمون كرم وسينضم اليه بول سالم، علماً ان الوفد سيكون قابلا للتوسيع لاحقاً مع تقدم مسار التفاوض.

الكلمات المفتاحية
مشاركة