عين على العدو
رأى محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل أن الاتفاق المتبدّي بين الولايات المتحدة وإيران سيعكس، في حال توقيعه، انكفاءً أميركيًا مدويًا عن الحرب التي اندلعت في الخليج، كما أنه سيمثل خبوّ التأثير "الإسرائيلي" على خطوات الرئيس الأميركي دونالد ترامب".
وكتب هرئيل: "صحيح أن التفاهمات لم توقّع بعد وتفاصيلها ما تزال معلومة جزئيًا فقط، إلا أنه يبدو في هذه المرحلة أن السيناريو الأكثر إيجابية لن يتعدى تحقيق كبح جوهري للمشروع النووي الإيراني، دون معالجة القضايا الأخرى التي كانت مطروحة على الطاولة، وهذا الواقع يبتعد كثيرًا عن وعود النصر التي أطلقها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عند الخروج إلى الحرب الحالية".
أضاف: "في سنة 2015، عندما وقعت إدارة باراك أوباما على الاتفاق النووي مع إيران وأثارت تجاهه انتقادات واسعة، ألقى نتنياهو خطابًا ناريًا في الكونغرس الأميركي، ضاربًا بعرض الحائط قواعد السلوك المتبعة بين الحكومتين. وبعد ثلاث سنوات من ذلك، أقنع ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي. وجاءت النتائج متباينة في أفضل أحوالها؛ إذ إن سياسة "الضغط الأقصى" التي قادها الرئيس ضد الإيرانيين لم تردعهم حقًا، وبدأ النظام مسارًا لتكديس كميات اليورانيوم المخصّب، حتى وصل إلى 440 كيلوغراماً بمستوى تخصيب بلغ 60%".
وتابع: "نجح نتنياهو في إقناع ترامب مرتين إضافيتين: عند الخروج إلى الجولة الأولى في إيران في حزيران/يونيو من العام الماضي (حيث منحت واشنطن الضوء الأخضر وقصفت في نهاية المطاف منشأة "فوردو" النووية تحت الأرض)، وفي شباط/فبراير من هذا العام (عندما كان الهجوم شاملًا ومشتركًا). ولكن ربما كان إعلان هذا النجاح زائدًا عن الحد؛ فترامب، لأسباب يصعب فهمها، اعتقد بأن هذه الجولة لن تستغرق سوى أيام معدودة، ولم يستعد إطلاقًا لاحتمال إغلاق مضيق هرمز. وعندما طال أمد المعركة، وتأكّد تحديدًا أن الإيرانيين قادرون على شل صادرات النفط من الخليج تمامًا، تراجع الرئيس عن موقفه".
وأردف هرئيل يقول: "هذا هو السيناريو الذي شهدناه طوال الشهر والنصف الماضيين: عناد إيراني، وتهديدات أميركية فارغة، وصورة تنتهي الآن بما يبدو أنه اتفاق تسوية. وفي الخلفية، ظل قائمًا طوال الوقت احتمال أن يُفرط النظام في عناده، مما يحشر ترامب ليتوصل في النهاية إلى استنتاج بأنه لا مفر أمامه سوى استئناف الهجوم العسكري. ولكن على وقع الانتقادات وفقدان الشعبية في الداخل، وعدم جدوى التحركات العسكرية، وتحفظات غالبية الحلفاء في الخليج، يبدو أن الرئيس قد استقر أخيرًا على اتخاذ القرار".
وأكد أن "هناك الكثير من "الإسرائيليين" الذين استقبلوا هذه الأنباء (وهي حتى الآن شبه أنباء) بارتياح يوم أمس؛ فالجمهور بات منهكًا بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب المتقطّعة، وسقوط أكثر من 2,000 قتيل. والتفكير في احتمال تجدد القصف نحو مناطق الوسط والجنوب - في حين أن القصف في الشمال شبه متواصل - لا يُسعد أحدًا. غير أن السؤال حول ما سيتم فعله بمخزون اليورانيوم وما سيتحدد بشأن حق التخصيب على الأراضي الإيرانية يُعد أمرًا حاسمًا لأمن "إسرائيل" المستقبلي. وإذا نجح ترامب في فرض اتفاق معقول هنا، فستكون لذلك أهمية كبيرة".
ولفت إلى أن "الأمور الأخرى لم تتحقق؛ فالرئيس الأميركي يتعامل مع الصواريخ الباليستية باعتبارها مشكلة "إسرائيلية" بحتة، أما الحلفاء مثل حزب الله فهم في الأصل أقل أهمية بالنسبة له. وفيما يتعلق باستقرار النظام، فمن المقرر أن يحصل على إفراج تدريجي عن عشرات المليارات من الدولارات ورفع العقوبات عن قطاع النفط، على نحو يضخ ميزانيات ضخمة في خزينته، ومما يرجح أن يصب أيضًا في مصلحة حماس وحزب الله. وإذا كان يبدو في كانون الثاني/يناير من هذا العام، في خضم موجة الاضطرابات الواسعة، أن النظام يترنح، فإنه في الوقت الحالي... لا توجد أيّة مؤشرات على تجدد الاحتجاجات".
ورأى هرئيل أن "ما سيتقرر في الخليج سينعكس حتمًا على مجريات الأحداث في لبنان؛ إذ تبدو "إسرائيل"، في تعارض تام مع التصريحات العلنية لقادتها، عاجزة ومُربكة أمام حزب الله. فتهديد المحلّقات المتفجرة يتسبّب يوميًا في إيقاع إصابات بين صفوف جنود الجيش "الإسرائيلي"، وقتلى كل بضعة أيام. والاستراتيجية "الإسرائيلية" الحالية - إن كان ثمة استراتيجية أصلًا في لبنان - قد انهارت هذه المرة؛ فالمنظمة تواصل الهجوم، وبخلاف المواجهة السابقة في خريف 2024، لا تفكر مطلقًا في الاستسلام".
وقال: "في الخلاصة، يقف نتنياهو بعيدًا جدًا عن كل ما وعد به الجمهور فيما يخص الحرب. وفي الملف الإيراني، لا يمكنه الخروج علنًا ضد ترامب، ويكتفي بتسريب إحاطات باهتة تحت غطاء "مصادر سياسية" لا تجرؤ على إلقاء اللوم على الإدارة الأميركية. وفي لبنان وغزة، فإن الإنجازات التكتيكية للجيش "الإسرائيلي"، والتي كان بعضها "مبهرا"، لم تُترجم إلى واقع استراتيجي دائم ومحسن، نظرًا لخوف رئيس الوزراء من أن يُصوَّر في ثوب الاسترضائي أو المتنازل. وتبدو أزمة الأبواق الإعلامية جلية؛ إذ يبدو أن مكتب نتنياهو لم يصغ بعد ورقة الرسائل المحدثة، مما يضطر المذيعين إلى التلوّي والمواربة في محاولة للتغطية على التناقض الصارخ الواضح لكل مشاهد ومستمع".
ويخلص رأى محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "هآرتس" إلى أن الفشل الذريع الذي وقع في السابع من أكتوبر يهميمن؛ فالإصابة البالغة حدثت نتيجة استغلال حماس لإخفاقات في الجيش وجهاز الأمن العام (الشاباك)، لكن نتنياهو لا يمكنه التملّص من مسؤوليته، ويعجز عن تفسير سبب اعتزال أو إقالة النخبة الأمنية بأكملها تقريبًا في الوقت الذي يتشبث فيه هو بكرسيه إلى الأبد. الانتخابات المقبلة، أولًا وقبل كل شيء، ستكون معركة على الذاكرة؛ حيث سيحاول حزب الليكود وأحزاب الائتلاف إقناع الناخبين بعدم الخوض في أسباب الإخفاق والمسؤولين عنه. ومن أجل إزاحة النقاش عن هذا المربع، ستبرز الحاجة على الأرجح إلى تشتيت أمني. وتكمن معضلة نتنياهو في أنه يحتاج إلى موافقة من ترامب، الذي يحاول في هذه الأثناء إطفاء الحرائق في إيران ولبنان، وليس مضمونًا على الإطلاق أن يوافق على اشتعال جديد بمبادرة "إسرائيلية" في قطاع غزة".