مقالات
من يعيد التدقيق بالصورة الموزعة لرئيس أركان جيش العدو إيال زامير وهو يتابع مع كبار ضباطه الغارات التي نُفِّذت في إطار العدوان الموسّع بعد ظهر الأربعاء، يدرك تماماً أن "إسرائيل" تعاني فعلاً من أزمة عجز أمام المقاومة في لبنان، ونقول المقاومة لأن لا شيء في هذا البلد يشكّل عقبة أمام أحلام التوسع الصهيونية، سوى المقاومة!
ضربات الأربعاء، جاءت لتترجم عملياً معتقدات زامير، الذي يؤمن بضرورة قتل رجال الدين والنساء والأطفال والمدنيين المؤيدين للمقاومة، على قاعدة ضرورة تحميلهم فاتورة انتمائهم وتطلعاتهم، وهنا لا أتحدث من منطق تحليلي، بل من كلام قاله زامير نفسه في أكثر من مناسبة عند تسلّمه منصبه قبل أشهر. وهنا أيضاً، تظهر حقيقة الأهداف العملية لما أسموه الظلام الأبدي، التي كانت من المفترض أن تشكّل الضربة الافتتاحية لعدوان مبيّت على المقاومة في لبنان، وجرى إحباطها وإجهاضها لتأتي متأخرة، على قاعدة وجد الاحتلال أن من الضروري العمل بها فأن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي، وبالتالي عملوا على قتل المدنيين والمسعفين حتى في قلب العاصمة، لأهداف عدة منها محاولة قلب المشهد عن الميدان البري الذي يبيّن الغرق المتزايد في وحل الجنوب يومياً.
ولعل "إسرائيل" أصبحت تعمل وفق قاعدة أن الغريق لن يخشى مزيداً من البلل لأيام، إذ كان من الواضح أن الفرق الصهيونية الستة المشاركة في العملية البرية تعمل باستماتة من أجل الحصول على صورة إنجاز، يحوّل التصريحات السياسية للحكومة حول خلق المنطقة العازلة إلى واقع، وربما من بوابة مدينة بنت جبيل التي تشكّل حالة مركزية بالنسبة للاحتلال، الذي يحاول الإيحاء بأنها تساوي المعركة كلها، ذلك أن لهم ثأراً قديماً معها يعود إلى أيام التحرير وخطاب بيت العنكبوت، إلا وأنه وفق المنطق الميداني لا تحظى المدينة بأهمية عسكرية، ومحاولات العدو دخولها تأتي في سياق التعويض النفسي عن فشل متراكم عند كل المحاور، إذا استطاع الدخول إليها طبعاً.
حنين - عين أبل
وفي المجريات، كانت الأنظار تتجه لمراقبة المسار التجاوزي الذي يشقّه العدو من جهة حانين وصولاً إلى عين إبل، ليتحقق الإشراف على بنت جبيل من الجهة الغربية، ما يعطي تصوراً بأن ساعة المعركة هناك قد دقّت، ولكن العدو ولأسباب ربما يكون لها علاقة بمجريات الأحداث في المنطقة، وإدراكه أنه بات يعمل في ربع الساعة الأخير، اختار أن يبدأ التقدم من المحور الشمالي والشرقي أي من مربع التحرير الذي حرّكه قبل أيام واكتشف أن المقاومة جاهزة للتصدي فيه، ومن الجهة الشمالية التي تشكّل مرتفعاً جغرافياً يكشف البقعة العمرانية في المدينة، أي من ناحية مجمع موسى عباس وصولاً إلى صف الهوا التي وصلها وفق المسار الالتفافي عبر عيناتا.
كل هذا، يعني أن العدو يعمل بطريقة معاكسة، فبدلاً من الانقضاض على المدينة من أطراف مارون الراس ويارون التي تقع جنوب بنت جبيل، فضّل العمل بطريقة معاكسة، فحرّك قواته من ناحية الشمال إلى الجنوب، دون أن يستطيع أن يقفل المسار المتجه نحو الغرب أي باتجاه الطيري وكونين، ذلك أنه يحاول بشكل سريع أن يسجّل صورة إنجاز بدخوله إلى أحياء معينة والإيحاء بأنه حاصر المناطق العمرانية وأسقط عاصمة حزب الله!
وهذا بحد ذاته قد يشكّل بالنسبة لحكومة الاحتلال إنجازاً يخدم دعايتها، إلا أنه وفي الواقع لم تستطع قوات العدو التوغل في الأماكن العمرانية حتى الآن، ذلك أنها تدرك تماماً أن المقاومة تعمل وفق تكتيكات الدفاع المتحرك والاستدراج من أجل الاستنزاف والإيلام والصد، حتى وأن ما جرّبته حتى الآن في كل المحاور يعطي انطباعاً حول أسلوب العمل المتغيّر والذي يخوّل المقاتلين إيقاع أكبر نسبة من الخسائر في صفوف القوات العدوّة، من خلال ضرب التموضعات والتحرك في مسارات التقدم، واستهداف الآليات والمدرعات، ثم الاشتباك وجهاً لوجه، ومن بعدها إعادة ضربها بالأسلحة الصاروخية والمدفعية، ما يعني سلبها القدرة على الاستقرار، واستنزافها على مراحل عدة.
وفي الخلاصة عند هذا المحور، لا تزال الاشتباكات قائمة، في ناحية صف الهوا ومجمع موسى عباس، وعند الأطراف الشرقية المعروفة بمربع التحرير، فيما يتحاشى العدو التقدم من ناحية يارون ومارون الراس، والتأكيد الذي لا بد منه اليوم هو أن العدو قد يستطيع الدخول إلى المدينة ذلك أن احتلال الأرض لا يعني انتهاء جدوى المقاومة، إنما يشكّل فرصة لتوسيع جدول نيرانها، والمساحة التي تستطيع فيها تحويل التهديد إلى فرصة لمزيد من عمليات قتل الجنود الصهاينة وتدمير آلياتهم. تماماً كما يحصل في الخيام، حيث استطاعت المقاومة منتصف ليل الخميس أن تدمّر دبابة ميركافا وجرافة عسكرية كانت تتحرك في الحي الغربي الذي ظنّت "إسرائيل" أنها سيطرت عليه، واندلعت الاشتباكات والمواجهات التي أدت إلى انكفاء هذه القوة إلى منطقة وادي العصافير تحت غطاء ناري كثيف، بينما تتواصل هناك عمليات استهداف تموضعات الآليات والجنود لا سيما في محيط المعتقل، وتبقى الوضعية الميدانية على حالها فالقسم الشمالي يعجز العدو عن الوصول إليه، والأحياء الجنوبية يعمل على نسف مبانيها لتحويلها إلى منطقة مكشوفة أمام قواته المتموضعة في محيط المعتقل، ولربما سلّم العدو بأن إسقاط المدينة بالكامل لن يتحقق حتى ولو بقيت الحرب مستمرة لأشهر طويلة.
الخيام
وبالقرب من الخيام، هناك تغيّر ملحوظ في تحركات العدو عند محور العرقوب، إذ إنه عاد ليقلّص بشكل واسع تحركاته في قرى تلك المنطقة، لا سيما في حلتا والماري والهبارية ومحيطها، المحور الذي كان يُصنّف على أنه أرض يستغلها العدو لتنفيذ أعمال خاصة من خطف وتدمير وغيرها، لوحظ مؤخراً أنه بات حذراً جداً فيها، وتقتصر اعتداءاته بقصف مدفعي يطالها في الكثير من الأحيان، بعد أن كانت تصريحات المتحدث باسم جيش الاحتلال توحي بأن أعمالاً برية ستُنفّذ هناك وفي مختلف المنطقة المحيطة بجبل الشيخ، ولكن الحذر من تعرّضها لضربات مؤلمة في أحراشها ومساراتها غيّر على ما يبدو خطط العمل على الأرض.
الطيبة
وعند محور الطيبة، تتواصل العمليات بمزيد من الضربات للقوات المعادية، وبرز في اليومين الأخيرين استهداف آليات معادية، وقوات مشاة صهيونية تتموضع في منازل في محيط مشروع الطيبة، ما يوحي بأن العدو عاد ليركّز جهده هناك، بعد أن انكفأ من القنطرة باتجاه الطيبة ومن الأطراف الغربية لديرسريان باتجاه أطرافها المتصلة بالطيبة أيضاً، أو على الأقل قلّص عديد قواته إلى درجة غياب التحركات الميدانية وفق ما تؤكد المصادر، ما يعطي وضعية جديدة لهذا المحور.
البقاع الغربي
وفي القطاع الغربي، كانت قوات الاحتلال تحرّكت في اليومين الماضيين في البياضة واعتدت برمايات من الدبابات على المنصوري ومجدل زون، بينما رصدتها المقاومة ودمّرت إحداها، واستهدفت قوة مشاة كانت تتموضع داخل أحد المنازل، فيما أشارت معطيات ميدانية إلى قيام الاحتلال بتخريب الطريق العام الممتد من البياضة إلى شمع، لا سيما الطريق المؤدي إلى مقر قيادة القطاع الغربي في اليونيفيل، الذي تحوّل إلى سجن للجنود الدوليين والموظفين العاملين هناك.
الناقورة
وفي الناقورة يستمر غياب التحركات "الإسرائيلية" داخل البلدة، بعد التراجع عن خطها العام المؤدي إلى البياضة وتفكيك التموضعات التي كانت تحيطه، وتتمركز قوات الاحتلال خلف المقر العام لليونيفيل فيها، وتتحرك في اللبونة وفي نقاط غير مكشوفة لا سيما محيط رأس الناقورة ومناطق لحلح ونمر الجمل في علما الشعب.
وفي خلاصة الميدان، المقاومة مستمرة في ضرب المستوطنات الصهيونية على طول الجهة المقاومة للحدود اللبنانية الفلسطينية، وتواصل حالة الاشتباك عند كل المحاور، في ظل تراجع صهيوني في نقاط عدة، وتركيز الجهد على بنت جبيل لضمها لما يسمى المنطقة العازلة وتحقيق صورة إنجاز معنوي فيها، ربما سيخدم لاحقاً الدعاية السياسية لحكومة الاحتلال من منظور بنيامين نتنياهو، ولكن من قبيل المراقبة الموضوعية، فإن التراجع الكبير في الأولويات والأهداف المعلنة وغير المعلنة لهذه الحرب، يمكن من الآن أن نعلن انتصار المقاومة الإسلامية بإبطالها أهداف العدو أولاً، وبتحطيمها الصورة النمطية مجدداً لجيش قيل إنه يغيّر وجه الشرق الأوسط ويعيد رسم حدود "إسرائيل" الكبرى ثانياً، إلا أنه يُضرب اليوم بكل قوة في الجنوب، دون أن يستطيع أن يحقق إنجازاً مرجوّاً منه.. والإنجاز لا يمكن أن يتجلى بتدمير جسور وضرب مبانٍ سكنية، إلا إذا كان المحرّك والمخطِّط والمنفِّذ من مدرسة إرهابية حاقدة.. وكذا هو حال "إسرائيل".