نقاط على الحروف
التحرير الثالث .. أعراس النصر ستصدح في الجنوب مجددًا
"الجنوب يتحرّر": عن خبر صار عيدًا!
كاتبة من لبنان
قبل 26 عامًا، وفي صباح 23 أيار/مايو بالتحديد، ضجّت الدنيا بنبأ ترك في قلب كلّ سامعيه حكاية: "الجنوب يتحرّر!"
صوت الزغاريد التي عبرت نوافذ البيوت المتجاورة في كلّ أحياء الضاحية، امتد إلى بيروت حيث صدحت أناشيد المقاومة في كلّ شارع وحيّ، واختلط ببهجة البقاع التي سالت أهازيج عزّة وأعراس نصر وصلت أرض الجنوب مع ساعات التحرير الأولى، تمامًا كما كان الدم الساكن عروق أهل البقاع قد رفد أوردة تحرير الجنوب بأنبل الشهداء منذ الطلقات الأولى للمقاومة..
في كلّ لبنان، بل في كلّ أرض أهلها أحرار، وقع الخبر كبشارة طال انتظارها، كإشراقة شمس بعد عتم طال وليل ثقيل. في ذلك الصباح، لم تكن الدموع سوى ماء الفرح الزلال إذ يتفجّر من عيون الناس، وصار الجنوب وجهة كلّ أهل الحب الذين انتظموا قوافل تستعجل الوصول إلى قرى الشريط المحرّر، تهرع لتلقى التراب وقد تنفّس الصعداء ورفع ذراعيه ليستقبل الأحباب بعد أن فكّت عنها المقاومة أغلال الاحتلال. جموع العائدين في يوم التحرير كانت أشبه بفيضان شوق انسكب على أعتاب القرى حيث كانت تستقبله الوجوه التي من عمق فطرة أهل التراب صاحت "الحمد لله لي تحرّرنا"، بتلك اللهجة العاملية المجبولة بالقهر وبالصبر، وبالنصر الأجمل.
"الجنوب يتحرّر"، خبرٌ من كلمتين استحال تجسيدًا لحقيقة أنّ الحقّ ينتصر، وأن المقاومة وحدها تفرض الحقيقة أمرًا واقعًا يُذعن له العدوُ، ويندحر. خبرٌ لم تقوَ كلّ المواجع على إطفاء شمسه، أو تغييره كحقيقة لا يمكن تغييرها ولو بألف حرب!
واقعًا، ثمّة أخبار تحتفظ بوقعها في القلوب مهما مرّت عليها السنون. ثمّة أحداث تظلّ حاضرة، ويظلّ ذكرها يستحضر فيض المشاعر التي رافقتها كأنّها لا تنقضي، ولا تقلّ كثافة العاطفة فيها مهما تراكمت فوقها الدهور. لذا بديهيّ جدًا أن ترى الجنوبيين في أيار من كل عام، يستعيدون مشاهد التحرير التي حُفرت في ذاكرة عزّتهم عميقًا.
لحظات عبور أهل الأرض إلى القرى المحرّرة لم تكن مجرّد زمن يمرّ ويصير بعد حين ذاكرة، بل كانت مساحة تتّسع خلف حدود الأبد، تحوي فيوض الاعتزاز التي سالت دموع فرح وتشكّلت ضمّات شوق بين أهل "الشريط المحتلّ"، أسرى العدو وعملائه الذين واجهوا شتّى أشكال الظلم والتعذيب والإرهاب طوال سنين الاحتلال، وبين أبنائهم وإخوتهم وأحبّتهم العائدين على جنح التحرير، التحرير الذي لم يكن إلّا ثمرة العمل المقاوم، ونتاج سنين من الجهاد والفداء والبذل واليقين بالنصر، التحرير الذي جعل كلّ الدنيا تشهد أن بالمقاومة فقط تُصان الأرض وتُحفظ الكرامة وينتصر الحقّ وأهله..
إذًا، في العتمة اندحر العدو تاركًا خلفه جيش الأذلاء اللحديين، وظلّت صفعة التحرير توجعه حتى صار حقده على تراب القرى المحرّرة وجعًا يؤرقه، لذلك سعى في تموز ٢٠٠٦ إلى تدمير القرى التي فرّ منها مهزومًا، وساءه أنه بعد النصر الالهي في ١٤ آب/أغسطس عادت تلك القرى أجمل ممّا كانت، وظلّت الشاهد الأبديّ على هزيمته المدوّية. وحين أعاد الكرّة في ٢٠٢٤، تحوّلت هذه القرى إلى الدرع الذي يصدّ العدوان عن كلّ لبنان، وتذوّق جنود نخبته فوق ترابها شرّ هزيمة على يد رجال الله، ولولا "الدبلوماسية" التي ادّعت أنّها ستحمي لبنان إن أُتيحت لها فرصة، لما استطاع العدوّ تفجير وجرف بيوت هذه القرى، تحت غطاء التواطؤ "الدبلوماسي" المحليّ. وما تشهده اليوم "قرى الحافة" من تدمير منهجي ليس إلا فعل انتقاميّ أراد العدوّ فيه إزالة كلّ ما ينبئه بهزيمته الآتية، ويرعبه أنّها لم تزل رغم كلّ ما فعل، الميدان الذي يذيقه مرارة العجز وحرّ الانهزام مع استخدامه لكامل مقدّراته التكنولوجية وسلاحه "المتفوّق".
اليوم، يحاول العدوّ استعادة النفوذ الذي فقده يوم اندحر هاربًا في أيار ٢٠٠٠، ويدرك أهل القرى الحدودية أكثر من أيّ أحد آخر أن عيد المقاومة والتحرير هذا العام هو المناسبة التي تعزّز يقينهم أنّ النّصر آت، بالمقاومة، وأنّ الرجال الذين سقوا التراب من دمهم كي يزهر ورد التحرير في عام ٢٠٠٠، هم الذين صنعوا الردع الذي أوقف الصهاينة على "إجر ونص" طوال سنوات لم يتجرأوا فيها على المسّ بهذا التراب، وهم أنفسهم صنّاع التحرير الثالث الذي نراه منذ الآن بعين اليقين، حين نحدّق ناحية الميدان ونرى كيف بالدم العزيز وبالإرادة الصلبة يتحدّى أبناؤنا وإخوتنا على أرض أعتى قوة عسكرية في المنطقة ويذيقونها الهزيمة بجرعات متلاحقة، عبر الحبل الضوئي الذي يحمل FPV ويزرعها نارًا في صدر العنجهية الصهيونية.
نعم، يأتي عيد المقاومة والتحرير هذا العام مخضّبًا بالشوق إلى الجنوب، مرصّعًا بالحنين إلى كلّ ضيعة وكلّ وردة في كلّ دار في الجنوب، لكنّه يأتي كمشهد يؤكّد المؤكد: التحرير الذي تحقّق عام ٢٠٠٠ على يد المقاومة، مع وجود جيش عملاء ومعابر ومعتقلات بالإضافة إلى المراكز والمواقع "الإسرائيلية" المحصنة والثابتة، ليس مستحيلًا، بل هو في يوم هذا العيد أقرب، وكلّ أوهام تخالف أو تتناقض مع هذه الحقيقة ستسقط، يوم نعود إلى الجنوب منتصرين، تحت راية المقاومة.
في يوم محفور في الذاكرة، مضينا إلى قرانا، دخلناها بسلام آمنين بعد أن أزالت المقاومة الأسلاك الشائكة من حولها بيديها. مررنا من فوق ما كان معابر ترهبنا وتتحكم بحقّنا بزيارة أرضنا وأهلنا، دسنا جبروت العمالة ووصلنا البيوت التي انتظرتنا سنينَ على حرّ جمر الاحتلال. وفي يوم قريب وسيُحفر في الذاكرة، سنمضي إلى قرانا، سنرشّ الورد على التراب المحنّى بدم حبّات عيوننا، ثمّ سنصغي إلى نسيم عاملة وهو يحدّث عن مقاومة أنجزت التحرير الثالث، وسيصغي معنا العالم كلّه. بعد حين، سيصبح لنا في العام عيد تحرير ثالث، علامته أقمار الشهادة. عيد يُشهد العالم كلّه، أن بالمقاومة وحدها يحيا الإنسان عزيزًا كريمًا، وأنّ أهل هذي الأرض كترابها، أهل عزّة لا تنكسر، وكرامة لا تُطال!