اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي بين حافة الانفجار ومنطق التثبيت: خطوط أساسية في المشهد التفاوضي الأميركي-الإيراني

مقالات

الاقتصاد الأميركي: الحرب على إيران عبء متفاقم
مقالات

الاقتصاد الأميركي: الحرب على إيران عبء متفاقم

128

يمضي الرئيس الأميركي دونالد ترامب نحو وقف إطلاق النار والتفاوض بالشروط الإيرانية، متجاوزًا التهديدات التي أصدرها سابقًا. وعلى الرغم من التباين الواضح في تصريحاته، يبدو أن الإدارة الأميركية تداركت العبء الاقتصادي لحربها على إيران. فما هو واقع الاقتصاد الأميركي في ظل هذه الحرب؟.

تشير التقديرات إلى أن تكلفة الحرب ارتفعت بوتيرة حادة منذ أيامها الأولى. فقد تجاوز الإنفاق العسكري 11.3 مليار دولار خلال الأيام الستة الأولى فقط، أي بمعدل يقارب 1.88 مليار دولار يوميًا في المرحلة الأولى ذات الكثافة النارية العالية. وبعد 12 يومًا، طُرح طلب تمويل يفوق 200 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي البالغ قرابة 28 تريليون دولار.

ومع دخول الحرب الشهر الثاني، استقر متوسط الإنفاق اليومي عند نحو 900 مليون إلى مليار دولار، ما يرفع الكلفة التراكمية إلى ما بين 35 و38 مليار دولار حتى الآن، أي ما يعادل تقريبًا 105 دولارات لكل مواطن أميركي خلال شهر واحد فقط، أو ما يقارب 0.13% من الناتج المحلي الإجمالي. 

غير أن هذه الأرقام لا تعكس الكلفة الحقيقية، فخسائر الأصول العسكرية بلغت نحو 4.8 إلى 5 مليارات دولار خلال الشهر الأول، تشمل طائرات مقاتلة وأنظمة متطورة. كما تُقدَّر كلفة إصلاح القواعد العسكرية في الخليج بما بين 800 مليون و2.9 مليار دولار. أما الأنظمة الاستراتيجية، مثل الرادارات المتقدمة وأنظمة الدفاع الصاروخي، فتُقدَّر خسائرها الفردية بما بين 500 مليون و1.1 مليار دولار للوحدة الواحدة، وغالبًا ما تُسجَّل كخسائر استثنائية خارج الإنفاق اليومي.

وقد شكّلت "مجزرة الطائرات" صدمة للولايات المتحدة الأميركية، إذ أُسقطت إيران عددًا كبيراً منها من أنواع مختلفة، تصل كلفة بعضها إلى ما يفوق 100 مليون دولار. فمثل هذه المفاجآت تُكلّف الأميركيين أموالًا تُرهق اقتصادهم الغارق بالديون.

أما التكاليف طويلة الأجل فهي أكثر خطورة، إذ تشير تجارب سابقة إلى أن كل دولار يُنفق على العمليات العسكرية قد يولّد ما بين 2 إلى 3 دولارات إضافية من الالتزامات المستقبلية (رعاية صحية، تعويضات، فوائد الدين). وإذا طُبّق هذا المعيار، فإن الكلفة النهائية للحرب الحالية قد تتجاوز 80 إلى 110 مليارات دولار حتى لو توقفت قريبًا. 

تاريخيًا، لم تكن الحروب "محركًا اقتصاديًا" كما يروّج بعض الاقتصاديين. ففي حرب فيتنام، تضاعفت التكاليف أكثر من 10 مرات مقارنة بالتقديرات الأولية، وأسهمت في رفع التضخم في الولايات المتحدة إلى أكثر من 5% في أوائل السبعينيات. كما أدت حربا العراق وأفغانستان إلى إنفاق تجاوز 2 تريليون دولار، مع آثار ممتدة على الدين العام الذي تخطى اليوم 34 تريليون دولار.

أما الآن، فتتفاقم الآثار بسبب صدمة الطاقة. فقد تجاوزت أسعار النفط 100 دولار للبرميل، مع سيناريوهات تُرجّح وصولها إلى 150 دولارًا، ما يعني زيادة مباشرة في تكاليف الإنتاج والنقل. وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في سعر النفط يضيف نحو 0.2 إلى 0.3% إلى التضخم الأميركي. وبالفعل، من المتوقع أن ترفع الحرب معدل التضخم بنحو 1.4%، ما قد يدفعه إلى مستويات تفوق 4% مجددًا بعد فترة من التراجع النسبي. في المقابل، يُتوقع أن ينخفض النمو الاقتصادي بنحو 1.2%، أي من معدل متوقع عند 2% إلى أقل من 1%، وهو ما يقترب من حافة الركود.

كما انعكست المخاطر على الأسواق المالية، إذ سُجّلت خسارة 3.2 تريليون دولار من القيمة السوقية العالمية خلال أقل من 4 أيام، وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.46%، وزيادة كلفة الاقتراض الحكومي، حيث إن كل ارتفاع بنسبة 1% في الفائدة قد يضيف أكثر من 300 مليار دولار سنويًا إلى خدمة الدين.

وبحسب التقديرات، قد يصل إجمالي الأثر الاقتصادي للحرب إلى نحو 210 مليارات دولار، ولا يشمل هذا الرقم التأثيرات غير المباشرة مثل تراجع الاستهلاك الخاص بنسبة قد تصل إلى 1–1.5%، وارتفاع معدلات البطالة بنحو 0.5%، وانخفاض الاستثمارات الخاصة نتيجة عدم اليقين.

تكشف الأرقام بوضوح أن الحرب تشكّل عبئًا ماليًا متصاعدًا. فمع تزايد العجز، وارتفاع التضخم، وتباطؤ النمو، تتآكل الأسس التي يقوم عليها الاقتصاد الأميركي، ما يعيد التأكيد على أن كلفة الحروب تُنهك الاقتصاد مهما كان كبيرًا. فالحروب، في العقيدة الأميركية، تتبع الفكر الواقعي، إذ يكون القرار مبنيًا على حسابات الأرباح والكلفة الكلية. وحين تتجاوز الكلفة الأرباح، تمضي الدولة بقرارات قد لا تفضّلها.

اليوم، الولايات المتحدة الأميركية تقاتل من أجل وجودها في المنطقة والإبقاء على هيمنتها على التجارة العالمية. وبالتالي، كل ما يُنفق في هذه الحرب يُعدّ قليلًا مقارنة بالهدف، إلا أن نقطة الذروة تكون عندما تصبح غير قادرة على تحمّل التكاليف، حينها فقط قد تتوقف الحرب.

حتى الآن، تنازلت عن هدفها المعلن في بداية الحرب بتغيير النظام، ليصبح هدفها فتح مضيق هرمز. وحين تبدأ قوة عظمى كالولايات المتحدة الأميركية بالتنازل، فهذا يعني أن الكلفة باتت ترتفع كثيرًا.

ولكن، ما التبعات الاقتصادية على أميركا إذا ما خرجت من المنطقة؟

الكلمات المفتاحية
مشاركة