اهلا وسهلا...
موقع العهد الاخباري

كانت البداية في 18 حزيران/ يونيو 1984 في جريدة اسبوعية باسم العهد، ومن ثم في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1999 أطلقت النسخة الاولى من جريدة العهد على الانترنت إلى ان أصبحت اليوم موقعاً إخبارياً يومياً سياسياً شاملاً

للتواصل: [email protected]
00961555712

المقال التالي أزمات صحية صعبة لسكان غلاف غزة "الإسرائيليين"

نقاط على الحروف

حرب المصطلحات .. حين يُشطب مصطلح المقاومة من الخطاب الإعلامي
🎧 إستمع للمقال
نقاط على الحروف

حرب المصطلحات .. حين يُشطب مصطلح المقاومة من الخطاب الإعلامي

152

ما ليس معلومًا بمثابة ما ليس كائنًا، بمعنى أدق، ما لا تعرف عنه لم يحصل.

لذا كان الدور العظيم للإعلام بمختلف أشكاله في جميع الرسالات السماوية، وكل ما لدينا من معارف وعلوم، هو تراكم إعلامي، خبرنا به عبر التدوين أو النقل الشفهي أو العلم الحضوري. 

والإعلام بشكله الحديث، لم يعد فقط ناقلًا للأحداث بل أداة مشاركة في صناعتها. فما لا يُلقى الضوء عليه إعلاميًّا لم يحدث، كأن تحصل مجزرة في السودان، فيتناساها أو يهملها الإعلام العالمي وبالتالي العربي، ستقول إنها لم تحصل، بينما حصل أن ميلانيا ترامب خرجت فعلًا لتقول أن لا علاقة لها بجيفري إيبستين وجزيرة الشيطان. وكذلك قضية فلسطين، والمجازر الحاصلة هناك، كانت إلى زمن طوفان الأقصى، بالنسبة للمواطن الأميركي والأوروبي، صراعًا بين دولتين، من جهة "الإسرائيليون" المضطهدون من هتلر الذين يبحثون عن وطن يعيشون فيه بسلام وبشكل حضاري وديمقراطي، مقابل دولة عربية متخلفة ترفض وجودهم وتقوم بعمل تخريبي وإرهابي ضدهم، ولذا يقومون هم كشعوب بدعم "إسرائيل" لأخذ حقها. إلى أن جاء طوفان الأقصى، في زمن الإعلام الفردي الإلكتروني العالمي ليبدّل المشهد وبالتالي الوعي الجمعي الغربي حول القضية، فيولدها من جديد. 

من هنا لا يمكن الاستخفاف بالدور الإعلامي وكل أدواته: التوقيت - الصورة - المصطلح، حتى علامة الاستفهام بحد ذاتها هي حدث يُعظّم، أو يُهمّش.

    ترافق مع العدوان الإسرائيلي الحاصل على لبنان، الكثير من الإجراءات الحكومية والمدنية، كأوامر عسكرية بـ"إعادة التموضع" للجيش اللبناني، استقبال "المهجّرين" أو النازحين، التواصل مع جهات دولية للـ"تفاوض" لوقف إطلاق النار، وفي كل هذه الضوضاء وعلى شاشات الإعلام الافتراضي، كان هناك حفل شماتة وتخوين وتحريض من الكثيرين، إلا أن كل هذا لم يشلّ وزير الإعلام عن إصدار قرار غريب نوعًا ما، وقد يعتبره البعض سخيفًا، ولكن في الواقع هو مُلفت وشديد الخطورة، أصدر قرارًا بشطب مصطلح إعلامي واستبداله بآخر، شطب مصطلح "المقاومة" واستبدلها بـ"حزب الله" . منذ عام 1982 كان المصطلحان متلازمين، فلم يتوقف كثيرون عند هذا الاستبدال أو القرار، ولكن السؤال ما أهمية هذا القرار؟

تكمن أهمية هذا القرار بأمرين، الأول قانوني، حيث تُعتبر المقاومة نشاطًا قانونيًا مُعترفًا به في منظمة الأمم المتحدة، وبالتالي النشاط العسكري التابع لها، يُعتبر قانونيًا ويخضع للقانون الدولي، في حالات الدفاع عن الوطن من خطر العدوان، وهو ما أرادت الحكومة شطبه وإلغاءه، وهو أمر شديد الخطورة. فعندما تسحب صفة المقاومة من منظمة أو حزب، يُصبح نشاطها العسكري مُدانًا خارجًا عن القانون، ويُعتبر خرقًا لسيادة الدولة، وحصرية السلاح بيد الدولة. وهذا الشق من القرار، يعرّي الحزب من توصيف المقاومة، ويضعه في خانة الاتهام بالخروج على القانون وسيادة الدولة، ليصبح "ميليشيا" يجب سحب سلاحها، وقد تصل الإجراءات بحقه، إلى حد وضعها تحت البند السابع، لاعتبارها خرجت من كنف الشرعية الدولية التي تحفظ حق القتال للمقاومات الشعبية الوطنية، وليس للأحزاب. 

أما الشق الآخر، في صراع المصطلحات، فهو شق تبديل الوعي. لا، ليست مبالغة، فالمصلح هو ما اصطلح عليه في مجتمع ما أو بيئة ما، أي توافقوا عليه ورأوه الأصلح والأجدى، وذلك من خلال إخراج اللفظ من جمود المعنى الحرفي أو اللغوي ، إلى المعنى المفاهيمي. ومن هنا فإن شطب مصطلح المقاومة، من الخطاب الإعلامي ليس خفّة عقل يقوم بها وزير الإعلام اللبناني في خضم معارك طاحنة ومجازر تُرتكب من قبل العدو بحق شعبنا، فقد يكون هذا القرار مجزرة جديدة تُرتكب بحق الوعي والرأي العام، ومحاولة متعمدة لإعادة تشكيل وعي جديد، لا يكون فيه للمقاومة وجود، من خلال دحض وجودها في الخطاب الإعلامي، الذي كما قدّمن ، ما لا يُذكر فيه، كأنه لم يكن. 

وإن أثبت هذا القرار شيئًا، فضلًا عن نهج متعمّد لإلغاء المقاومة من الوعي الجمعي، فإنه يُثبت مدى أهمية المصطلح الإعلامي في صناعة هذا الوعي، وفي تقديم هوية المجتمعات والكاتب والوسيلة الإعلامية بل والغاية من الخطاب الإعلامي وحتى الجمهور الذي تُخاطبه، تارة بدغدغة مشاعره وتارة بكيّ وعيه وأخرى بغرس رؤية جديدة للأمور.

الحرب الدائرة اليوم ليست عسكرية بحتة، بل هي حرب مصطلحات يقوم عليها الخطاب الإعلامي المؤثر في العالم. وأهميتها ليست حكرًا على المصادر الرسمية فقط، بل قد تكون في تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أو في منشور على منصة فيسبوك، أو رسالة خبرية في مجموعات واتسأب. 

لذا نجد أن مجموعة من المصطلحات ترافقت مع هذه الحرب، كـ"إعادة تموضع الجيش اللبناني"، وهي واقعًا تعني انسحاب الجيش اللبناني بوجه الاجتياح "الإسرائيلي" للمناطق الحدودية اللبنانية إلى نقاط خلفية، وتعتبر هذه من المصطلحات الملطّفة للإجراء. ولكن هناك بعض المصطلحات المتداولة، وهي مسيئة للواقع، كاستبدال مصطلح النزوح بتعبير التهجير، أو اعتماد مصطلح المهجّرين بدل النازحين، وذلك لكون النازح مصطلحًا يحمل طابع الانتقال القسري من مكان الى مكان داخل البلد الواحد وذلك للابتعاد عن مكان الاقتتال كما هو حاصل حاليًا، ولها بعد زمني مؤقت، بينما التهجير، غالبًا، هو إخراج السكان خارج حدود البلد ولها طابع زمني دائم. 

فعندما تتحدث عن لبناني نزح من قريته التي تتعرض للقصف، لا يمكن أن تصفه كما لو أنه مهاجر من بلد إلى آخر يفقد فيه حقوق المواطنة.

مثال آخر، هو أصل الحاصل، وهو "عدوان" وليس حربًا دائرة بين طرفين، وليس "حرب الآخرين" على أرضنا، كما أن الطرف الآخر ليس "الجيش الإسرائيلي" بل "قوات العدو"، فاستبعاد مصطلح العدو في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية والمنشورات اليومية ليس سقوطَ سهوٍ، بل فعلٌ متعمّد وتساعد عليه خوارزميات الفضاء الافتراضي. ومن المؤسف أن تقرأ هذه المصطلحات عند الكثيرين من غير الخصوم، بحجة أنها أقرب للموضوعية. أية موضوعية؟ المصطلح نفسه هو فعل غير موضوعي بل توافقي مفاهيمي يحمل بذاته موقفًا، فأين الموضوعية في ذلك؟

حتى في الموت هناك مواقف متفاوتة، فمن مصطلح شهيد إلى ضحايا إلى قتلى. هذه ليست كلمات، هي موقف وشرعية للميت. فالشهيد إما مقاوم استُشهد في أرض المعركة، أو مدني أغار عليه العدو، فيصلح عليه اصطلاح الشهيد كمقام، وضحية كحالة من حيث المعركة. الأمر نفسه ينطبق على مصطلح "عناصر من حزب الله" أو مجاهدين أو مقاومين. لكل مصطلح أثر في الحفاظ على هوية المجتمع، وبطاقة مرور إلى الوعي المجتمعي.

وقد يكرّر البعض الأخبار والمصطلحات، وهم من أبناء هذا الشعب المتمسّك بالمقاومة مثًلا، دون التنبّه إلى خطورة هذا الأمر، ونلاحظها حتى عند بعض المحسوبين على المقاومة، كـ"تقدّم العدو"، وهو ليس تقدّمًا بل اجتياح أو محاولة تعدٍّ برّية.

قد يكون الطرح مهنيًّا بعيدًا عن التحليل السياسي والعسكري المتداول، إلا أنه تناول لا يقلّ خطورة عن الحرب العسكرية الدائرة، وليس المصطلح سوى سلاح يوجد المعركة أو يمحوها، ويصنع النصر أو الهزيمة، ويمنح المقاوم شرعية أو يرميه في غياهب الاتهام والمساءلة. 

فإن كان الإعلام أداة شريكة في صناعة الحدث بل وتثبيت وجوده من عدمه، فإن المصطلح هو الموقف والوجهة التي يُدار بها الخطاب الإعلامي، ولا يوجد مصطلح حيادي أو موضوعي، كل مصطلح موقف وكل بديل له موقف آخر ليس بريئًا من عملية إلغائية للأول. 

ومن هنا نصل إلى ما يُعرف بالتطبيع، أي إيجاد ونسبة طبيعة جديدة لفعل ما مغايرة لطبيعته السابقة، أو صفة مغايرة لصفته السابقة. ومن هنا الحديث يطول.

هذه مقدمة لأهمية المصطلحات، والتي تُبنى عليها مواقف دول ومصائر شعوب.

الكلمات المفتاحية
مشاركة